في كل عام، تتجدد مسألة تحديد بداية شهر رمضان وتاريخ عيد الفطر، مما يثير نقاشات ساخنة أحيانًا. هناك من يودّ أن يصوم جميع المسلمين في العالم ويحتفلوا بهذه المناسبات في نفس الدقيقة تمامًا، وكأن الوحدة تعني بالضرورة التوحيد المطلق. لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أساسية: التنوع ليس مشكلة، بل هو ثراء.
خميس الغربي

تاريخ الإسلام يشهد على تعدديته. فمنذ القرون الأولى، اختلف العلماء المسلمون حول العديد من القضايا، بما في ذلك طرق تحديد الأشهر القمرية. وانتشر الإسلام عبر أراضٍ شاسعة، استوعبت ثقافات ولغات وعادات مختلفة. ومع ذلك، لم يمنع هذا التنوع وحدة الأمة الإسلامية. فلماذا اليوم يجب فرض التزام صارم بالتقويم، مما قد يؤدي إلى توترات لا داعي لها؟
التقويم القمري: تذكيرٌ بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة
يتبع رمضان التقويم القمري، الذي يتقدم كل عام بضعة أيام. وهذا التغيير في المواسم يسمح للصائمين بتجربة الصيام في ظروف مختلفة، مما يجدد علاقتهم بأجسادهم وإيمانهم وبيئتهم. هذه الحركة الطبيعية ليست قيدًا، بل هي حكمة إلهية تذكرنا بأن الروحانية لا ينبغي أن تكون جامدة، بل يجب أن تتكيف مع العالم الحي من حولنا.
نخطئ عندما نخلط بين الوحدة والتطابق. فالمجتمع القوي ليس ذاك الذي يفرض نموذجًا واحدًا على الجميع، بل هو الذي يحتضن ويقدر اختلافاته. إن الهوس بتوحيد موعد بدء رمضان لا يؤدي إلا إلى خلق توترات، في حين أن جوهر الصيام يكمن في كونه فرصةً للتطهر، والتأمل، والتقرب من الله.
درس في التسامح يتجاوز البعد الديني
هذا التنوع في تحديد الأشهر القمرية هو أيضًا درس في التسامح يمكن تطبيقه في مجالات أخرى. ففي عالم يزداد استقطابًا، حيث يسعى الجميع لفرض رؤيتهم، يصبح تعلم تقبل وجهات النظر المختلفة ضرورة ملحة. فماذا لو كان هذا التعدد في المواعيد ليس “مشكلة” تحتاج إلى حل، بل إرادة إلهية تهدف إلى تعليمنا الصبر، والانفتاح، وقبول الآخر؟
بدلًا من اعتبار الاختلافات في التقويم عامل انقسام، لنتعامل معها كدليل على ثراء العالم الإسلامي. فالإيمان الحقيقي لا يكمن في التصلب، بل في القدرة على احتضان التنوع بروحٍ مطمئنة.
لا تخشوا الاختلاف، بل احتفلوا به.
مترجم و كاتب.
شارك رأيك