البناء القاعدي لا يمكن أن يكون مجرد شعار دون أن يكون مرفوقا بتغيير ثوري جذري في الوعي الجماعي وتوزيع السلطة. إن التجارب التاريخية، سواء في روسيا أو في تونس، تؤكد أن أي تحرك شعبي لن ينجح في تحقيق أهدافه إلا إذا تم الحفاظ على استقلاليته ضد أي محاولة للهيمنة أو التوظيف السلطوي. إذ تسعى السلطة دوما إلى فرض قراراتها من الأعلى، مطالبة الجماهير بتزكية هذه القرارات وتقبلها، وهو ما يعد انتهاكًا للفكرة الثورية الأساسية التي تقوم عليها القاعدية.
رياض الشرايطي

1- الجذور الفكرية للبناء القاعدي:
في قلب أي مشروع ثوري حقيقي، نجد أن المسألة الأساسية هي مسألة السلطة. هل تكون السلطة في يد الشعب، أم أنها تبقى محكومة بيد قوى الدولة المركزية التي تعمل على استغلال الطبقات الشعبية؟ سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه دون أن نشير إلى أن البناء القاعدي، من منظور اليسار الثوري، هو الوسيلة الوحيدة للتخلص من الهيمنة الرأسمالية والأنظمة السياسية القمعية. هنا، تلتقي الفكرة الأناركية المتمثلة في تدمير الدولة وفتح الطريق أمام المجالس الشعبية المستقلة مع الماركسية التي تطرح ضرورة إدارة الطبقات العاملة لأمورها.
أ. الأناركية والتحررية اليسارية:
الأناركية، التي تقودها رؤية التحرر الحقيقي للإنسان من جميع أشكال السلطة، ترى أن الدولة ليست إلا أداة للطبقات الحاكمة لتأبيد استغلالها. الفكرة الأساسية عند باكونين هي أن “الدولة ليست صديقة للإنسان، بل هي العدو الأول له”. البناء القاعدي، إذًا، هو الحل الذي يجب أن يتحقق عبر قيام مجالس محلية تدير نفسها بنفسها، مما يسمح للعمال والفلاحين والمجتمعات الشعبية بتقرير مصيرهم بعيدًا عن النظام القمعي.
وفيما يتعلق بهذا الموضوع، قال تروتسكي: “الثورة ليست مجرد استبدال واحد للآخر، بل هي حركة اجتماعية تقتلع جذور الاستغلال وتسمح بالتحرر الحقيقي للجماهير.” هذه المقولة تعكس كيف أن البناء القاعدي يجب أن يكون ثوريًا بمعنى كسره لجميع الهياكل القديمة، بما فيها الدولة والطبقات الحاكمة.
في السياق الثوري، لم يكن النموذج الأناركي مجرد أفكار مجردة، بل كانت هناك تجارب حية من أجل تنفيذ هذه الرؤية. ففي ثورة 1905 الروسية، مثلاً، كان السوفييتات (مجالس العمال والفلاحين) أولى تجليات البناء القاعدي في ممارسة السلطة. رغم أن هذه المجالس لم تتمكن من مقاومة القمع البلاشفي في النهاية، إلا أنها مثلت النواة الأولى لفكرة السلطة الشعبية.
ب. الماركسية والديمقراطية العمالية:
لكن الماركسية لم تكتفِ بالتحليل النقدي لمفهوم الدولة كما فعلت الأناركية، بل تقدمت في تقديم الحل البديل عبر “الدكتاتورية البروليتارية”. كان لينين يرى في السوفييتات جزءًا من أداة تحكم الطبقة العاملة بالسلطة في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية. لكن، كما أكدت روزا لوكسمبورغ، “الثورة التي لا تضمن الديمقراطية العمالية هي ثورة تمهد لاستبداد جديد.”
روزا لوكسمبورغ، التي ناضلت ضد هيمنة الحزب البلشفي، كانت تعي تمامًا أن تفرد السلطة بالقرار داخل الحزب قد يعنى إجهاض الثورة لصالح أوليغارشيا جديدة. في النهاية، ظهرت الحقيقة الصادمة: الثورة البلشفية تحولت إلى دكتاتورية الحزب، وتحول السوفييتات إلى مجرد أداة في يد الدولة.
وبالنسبة لتروتسكي، كانت تلك المعضلة واضحة حينما قال: “من دون ديمقراطية عمالية حقيقية، تصبح الثورة رهينة في يد بيروقراطية جديدة، حتى وإن كانت هذه البيروقراطية تدّعي أنها من أيدي العمال.” هذه المقولة تشرح بشكل دقيق التحديات التي واجهها البناء القاعدي في ظل غياب الديمقراطية العمالية الحقيقية.
لكن تجربة السوفييتات 1905 تشير إلى أنه، في غياب الديمقراطية العمالية الحقيقية، فإن الجماهير لا تستطيع الحفاظ على سيادتها حتى وإن تم تمثيلها داخل هذه المجالس. المجالس العمالية في تلك المرحلة كانت قادرة على تسيير الحياة اليومية للعمال والفلاحين، لكن غياب التنظيم الثوري المركزي، فضلًا عن ضعف التنسيق بين مختلف المجالس، أدى إلى انهيار هذه التجربة أمام الهجوم الإمبريالي داخليًا وخارجيًا.
2- البناء القاعدي بين التحرر والتوظيف السلطوي:
أ. البناء القاعدي الحقيقي مقابل الشعبوية القاعدية:
هنا تكمن المفارقة الكبرى التي يعيشها اليسار الثوري اليوم. قد تكون “البناء القاعدي” مفهوماً ثورياً للتحرر، لكنه في يد الأنظمة الحاكمة قد يتحول إلى أداة للهيمنة الجديدة. هذا ما رأيناه في “الديمقراطية المباشرة” التي تبناها قيس سعيّد في تونس. في الظاهر، هو يرفع شعاراً جذاباً: “الشعب هو صاحب السلطة”، ولكن في الواقع، لا يعدو الأمر كونه شعارات الشعبوية التي تسعى إلى توظيف الفكرة الثورية لصالح سلطوية جديدة.
وهنا تبرز المفارقة الجوهرية التي تكمن في الفكرة القاعدية ذاتها: القاعدية تعني أخذ القرارات من الأسفل إلى الأعلى، حيث أن القاعدة هي التي تقوم بتحديد المسارات وتوجهات السياسة العامة، فيما القرارات التي تأتي من الأعلى لا تعكس سوى فرض إرادة النخب الحاكمة على الجماهير. لكن في السياق التونسي، تُحاول السلطة فرض قراراتها من الأعلى، مطالبة الجماهير بتزكية هذه القرارات وتقبلها، وهو ما يعد انتهاكًا للفكرة الثورية الأساسية التي تقوم عليها القاعدية.
شعار “الشعب هو من يقود”، في سياق الأنظمة الفاشية أو السلطوية، هو عبارة عن إيديولوجيا تهدف إلى تمرير عملية تمرير السلطة إلى يد قوى معادية للتغيير الحقيقي. وهكذا، تبدأ الجماهير في البحث عن مخلصين بدلاً من العمل الجماعي الذي يحقق مصالح الطبقات الشعبية.
كما قال تروتسكي: “إذا لم تكن الثورة في أيدي العمال، إذا لم تكن السلطة بيد الجماهير التي تنظم نفسها، فإنها لا تعدو كونها مجرد لعبة في أيدي النخب.” وهذا يوضح كيف أن السلطة لا يمكن أن تكون حقيقية إذا كانت ممركزة في أيدي فئة معينة، حتى لو كانت تسعى لتقديم نفسها كـ”ممثلة” للشعب.
في هذا الإطار، كان من المفترض أن تكون القرارات الثورية هي قرارات القاعدة الشعبية، لكن ما نشهده في تونس هو عكس ذلك تمامًا: القاعدة مُطالبة بتزكية قرارات تأتي من أعلى، مما يجعل البناء القاعدي مجرد فخ سلطوي جديد.
ب. التجربة التونسية: بين الأمل والاحتواء السلطوي:
عند النظر في الواقع التونسي، لا يمكننا إلا أن نشير إلى التحديات التي واجهتها حركات البناء القاعدي، خاصة بعد الثورة التونسية 2011. بدأت العديد من المجتمعات المحلية في تونس بتجربة نموذج التعاونيات والسلطة المحلية المستقلة، مثل تجربة “جمنة” التي أظهرت إمكانيات ملموسة لتوسيع دائرة الحرية الاقتصادية والسياسية. لكنّ هذه التجربة اصطدمت بتدخلات الدولة، الأمر الذي دفعها إلى الفشل الذريع.
الشواهد : في بداية “ثورة الكرامة”، كان هناك أمل واسع في أن يكون المجالس المحلية أداة حقيقية للتحرر الشعبي، ولكن بفعل سيطرة النظام الحزبي والنخب السياسية، أصبح كل شيء تحت السيطرة السلطوية الجديدة. في هذا السياق، لا تقتصر المشكلة على فقدان الاستقلالية فقط، بل تتعلق أيضًا بالهيمنة الاقتصادية للرأسمالية التي لا تترك للمجتمعات المحلية أي أفق للتحرر.
كما قال تروتسكي: “الحرية التي لا تحارب الاستغلال هي مجرد وهم يختبئ وراءه النظام القائم.” هذه المقولة تتماشى مع الواقع الذي تعيشه المجتمعات المحلية في تونس، حيث أن حرية التعبير والمشاركة في السلطات المحلية تبقى مجرد شعار طالما بقي النظام الرأسمالي نفسه دون تغيير.
ج. قراءة نقدية للتجربة التونسية:
عندما نعود إلى تحليل تجربة تونس تحت حكم قيس سعيّد، نجد أن الديمقراطية المحلية تعرضت لهجوم واضح من قبل السلطة التنفيذية التي تدّعي تبني المبدأ القاعدي. من هنا، يصبح البناء القاعدي مجرد واجهة يستخدمها النظام لتسويق نفسه، بينما يستمر في قمع الطبقات الشعبية.
ما نراه في تونس اليوم ليس بناء قاعديًا حقيقيًا، بل أداة لتوسيع صلاحيات الرئيس وقوى الأمن و الجيش، مما يعكس في النهاية كيف يمكن للسلطة أن تستغل حتى أكثر الأفكار تقدمية لخدمة أجندتها الخاصة.
3- العوائق والتحديات أمام البناء القاعدي الثوري:
أ. غياب الوعي التنظيمي:
إن غياب الوعي الثوري لدى الجماهير هو أخطر ما يهدد البناء القاعدي. إذا كانت المجالس الشعبية تفتقر إلى الوعي الثوري العميق، فإنها تصبح عرضة للتحول إلى أداة من أدوات الطبقات الحاكمة. علينا أن نذكر أنه بدون التثقيف الثوري والتكوين السياسي للجماهير، تبقى هذه المجالس مجرد هياكل فارغة.
ب. التداخل بين القاعدية والدولة:
المسألة الثانية تكمن في تداخل البناء القاعدي مع الدولة، حيث تصبح هذه المجالس مجرد تابع للدولة. إذا كانت المجالس القاعدية تتلقى تمويلًا أو إشرافًا من الدولة، فإنها تفقد حريتها وتتحول إلى مجرد أداة لتمرير سياسات السلطة.
ج. الهيمنة الاقتصادية للرأسمالية:
تسعى الرأسمالية دائمًا إلى أن تبقى في قلب أي تحرك ثوري، فهي تحاول دائمًا أن تفرض شروطها على المجتمعات عبر السوق والعمل المأجور. بالتالي، كيف يمكن للبناء القاعدي أن يكون ثوريًا إذا كانت أدواته الاقتصادية تحت هيمنة الرأسمالية؟ ينبغي أن يكون أي مشروع قاعدي قادرًا على تحطيم هذه الهيمنة الاقتصادية لتحقيق التحرر الحقيقي.
4- نحو بناء قاعدي حقيقي:
أ. تعزيز التعاونيات الاقتصادية:
التعاونيات الاقتصادية تُمثل أحد أبرز الحلول لتحقيق الاستقلالية الاقتصادية للجماهير. التعاونيات لا تكون فقط فاعلة اقتصاديًا، بل هي أداة سياسية للمجتمعات المحلية من أجل تجاوز التبعية للنظام الرأسمالي.
ب. مجالس شعبية مستقلة:
إذا كان هناك أمل حقيقي في تحقيق تغيير جذري، يجب أن تكون المجالس الشعبية مستقلة تمامًا عن الدولة. لا يمكن لأي بناء قاعدي أن ينجح إذا كان يخدم مصالح النظام القائم.
ج. نشر الثقافة الديمقراطية:
لبناء مجتمع ثوري حقيقي، يجب أن نزرع في عقول الأجيال القادمة قيمة الديمقراطية المباشرة، والتنسيق الفعّال بين المجالس العمالية، بحيث لا يتم تحويل المجالس إلى مجرد أداة بيروقراطية.
خاتمة: في النهاية، يظهر أن البناء القاعدي لا يمكن أن يكون مجرد شعار دون أن يكون مرفوقا بتغيير ثوري جذري في الوعي الجماعي وتوزيع السلطة. إن التجارب التاريخية، سواء في روسيا أو في تونس، تؤكد أن أي تحرك شعبي لن ينجح في تحقيق أهدافه إلا إذا تم الحفاظ على استقلاليته ضد أي محاولة للهيمنة أو التوظيف السلطوي. كما قال تروتسكي: “الثورة لا تعني نهاية المعركة، بل بداية لعملية التحرر المستمر.”
شاعر و محلل سياسي,
شارك رأيك