التقليص من البطالة في تونس يقتضي أولا مناخا عاما ومناخ أعمال يشجعان على الاستثمار الخاص والانتصاب للحساب الخاص وعلى خلق الثروة، مع انتدابات في الوظيفة العمومية والقطاع العام في حدود معقولة، وحسب الحاجيات الحقيقية للإدارة، ووسيلتها التناظر مع ضمان نزاهة المناظرات.
محمد عبّو *

عرف ملف تشغيل العاطلين في مختلف الحكومات، تلاعب ومغالطات ووعود غير قابلة للتنفيذ. هناك حكومات انتظرت نهاية عهدتها للالتزام بتسوية وضعيات وتركت التنفيذ لمن سيأتي بعدها. بعض الوزراء عجزوا عن تسوية وضعيات، ثم عادوا وهم خارج السلطة للتنديد بمن لم يفعل ممن خلفهم في الحكم، ووزراء يلتزمون لوفود العاطلين بانتدابات ليتجنبوا ضغوطهم وربما ليكسبوا شعبية، ثم يرمون بالكرة إلى رئاسة الحكومة ووزارة المالية.
للمتابعين، أذكّر هنا بالقانون عدد 2020/38 الذي عارضته حكومة مستقيلة مبدية حججها، وأصر عليه أصحاب المبادرة ثم عجزت حكومتهم عن تنفيذه، وفي النهاية تحمل الجميع غضب العاطلين.
الأمر لم يتوقف على الحكومات بل شمل سياسيين وإعلاميين ونشطاء وجمهور فايسبوكي، كان يضغط للاستجابة لطلبات تشغيل وما سمي بالتسويات، ثم يعود بعد سنوات للتنديد بحكومات تسببت في إخلال بالتوازنات المالية.
المشكلة عامة، وكأن الجميع جعلوا أولويتهم البحث عن رضا الجمهور، لا عن حلول جدية.
بعد 25 جويلية 2021، بلغت الشعبوية مداها. سيطر السيد قيس سعيد على كل السلط، وفي داخل الحكومة والإدارة لم تعد ترتفع أصوات مخالفة أو ناصحة وأصبح يحكم وحده، ورغم ذلك عجز، فاختار التسويف وسلك طريق الوعود غير القابلة للتنفيذ، بل أفرط في بث الأوهام لدى العاطلين، وهو من المفروض يعلم بأن إمكانيات الدولة لا تسمح بتشغيل كل العاطلين ولا كل أصحاب الشهائد منهم.
كان فتح ملف ما سمي بالشهادت المزورة على سبيل المثال مسكّنا لآلام العاطلين من أصحاب الشهادات. مسكّن سمح ببعث آمال زائفة في توفير مواطن شغل بعد عزل آلاف الموظفين.
سمح هذا الوهم بربح بعض الوقت، ولكن حبل الشعبوية قصير، فرغم تخصيص إمكانيات كبرى لأجهزة الرقابة وللإدارة، وإعداد التقرير حول المهمة، فلا التقرير نُشر، ولا عدد الشهادات الجامعية المزورة قد عرف، مقابل نشر رقم، إن صحّ فهو يعني أساسا الشهادات الصادرة عن المعاهد الحرة ومدارس التكوين الخاصة، وربما حالات التلاعب في الانتدابات.
بعث الآمال الزائفة، ذنب كبير في رقبة من يفعل ذلك، فمأساة البطالة مع التقدم في السن، لا يصح إنسانيا أن تكون موضوع تلاعب، ولا موضوع بحث عن شعبية أو عن أي مكسب سياسي.
ستنتهي هذه المرحلة كما سبقها، وليت الجميع يعملون على الحل الجذري الحقيقي، بدل الشعبوية والمزايدات والتنافس في إظهار الإحساس بآلام العاطلين، دون نتيجة تذكر في الواقع.
التقليص من البطالة يقتضي أولا مناخا عاما ومناخ أعمال يشجعان على الاستثمار الخاص والانتصاب للحساب الخاص وعلى خلق الثروة، مع انتدابات في الوظيفة العمومية والقطاع العام في حدود معقولة، وحسب الحاجيات الحقيقية للإدارة، ووسيلتها التناظر مع ضمان نزاهة المناظرات.
* وزير سابق.
شارك رأيك