الأناشيد لا تُنشئ الأمم من عدم، لكنها تفضح مدى صدق الأمة مع الصورة التي ترسمها عن ذاتها، أو كونها تعيش على خطاب مستعار لم يعد يطابق ملامحها. وينطبق هذا على النشيد الوطني التونسي. هل نزال نؤمن فعلاً بما نقوله في نشيدنا الوطني ؟ وهل هذا الوطن ما زال قادراً على جمع أبنائه ؟ حين تعجز السياسة عن أن تكون وطناً مشتركاً، تصبح مدارج الملاعب آخر مكان يبدو فيه الوطن ممكناً.
العقيد محسن بن عيسى *

النشيد الوطني التونسي ليس لحناً عابراً، بل مرآة تختزل نظرة الدولة إلى نفسها وإلى شعبها والمستقبل الذي تسعى لبنائه. في زمن البايات، لم تعرف تونس نشيداً وطنياً بالمعنى الحديث، بل سلاماً رسمياً يُعزف في حضور الحاكم وفي المناسبات البروتوكولية، على منوال ما كان معمولاً به في إسطنبول وعواصم أوروبا. كانت الموسيقى تمجّد السلطة لا الوطن، والفرد لا الجماعة.
نشيد الاستقلال : “ألا خلّدي”
بعد الاستقلال، اعتُمد نشيد “حماة الحمى” مؤقتاً كنشيد وطني بين نهاية النظام الملكي في 25 جويلية 1957 وتبني “ألا خلّدي” في 20 مارس 1958.
اللافت أن المقطع الأخير المضاف من “حماة الحمى” مأخوذ من قصيدة الشابي الشهيرة “إرادة الحياة”، ذلك البيت الذي حفظه كل تونسي: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة / فلا بد أن يستجيب القدر”. وهو اقتراح المناضل الوطني المنجي سليم منذ جويلية 1955. كانت “ترنيمة الثورة” كما يسمونها معتمدة خلال اجتماعات الحزب الدستوري الجديد الذي غيّر اسمه ليصبح الحزب الاشتراكي الدستوري.
احتاجت الدولة الناشئة إلى شرعية لا تقوم على النسب ولا على التاج، بل على فعل التحرير ذاته. هكذا جاء “ألا خلّدي” نشيد جهاد ودماء غالية، من كلمات الشاعر جلال الدين النقاش ولحن الموسيقار صالح المهدي. يحتفي النشيد بلحظة التأسيس ويوم النصر، ويُلمّح إلى القائد التاريخي بوصفه روح الفعل الوطني ورمزه.
كان اختيار النقاش والمهدي تعبيراً عن الثقة في قدرة الفن الوطني على صياغة الهوية الجديدة. كما كان ذلك منسجماً مع حاجة مجتمع خرج للتو من الاستعمار، يبحث عن بطل جماعي وعن قصة ولادة جديدة.
نشيد التغيير : “حماة الحمى”
مع السابع من نوفمبر 1987، اختارت الدولة أن تغيّر لحنها وكلماتها، فأعادت اعتماد “حماة الحمى” نشيداً وطنياً، لكن هذه المرة بشكل دائم وبروح مختلفة. النشيد من كلمات الشاعر المصري مصطفى صادق الرافعي الذي كتبها في الثلاثينات، مع إضافة أبيات لأبي القاسم الشابي، ولحن الموسيقار التونسي أحمد خير الدين.
بهذا الاختيار، لم يكن النشيد الجديد قطيعة كاملة مع الماضي، بل محاولة للجمع بين روح المقاومة عند الشابي وصورة الدولة المنضبطة والمتحفزة للدفاع عن أرضها. لم يكن التغيير مجرد قرار إداري، بل محاولة لصياغة عقد اجتماعي جديد يُعبّر عن مرحلة مختلفة من تاريخ البلاد. غير أن النشيد، في نهاية المطاف، ليس سوى رمز يكتسب معناه الحقيقي من واقع من يرددونه.
اليوم، يُنشَد “حماة الحمى” من طرف الجميع : السلطة والمعارضة، الوطني ومن يناقضه ادعاءً أو سلوكاً. هنا لا يعود السؤال : أي نشيد نفضّل؟ بل : هل نزال نؤمن فعلاً بما نقوله في نشيدنا ؟ الأناشيد لا تُنشئ الأمم من عدم، لكنها تفضح مدى صدق الأمة مع الصورة التي ترسمها عن ذاتها، أو كونها تعيش على خطاب مستعار لم يعد يطابق ملامحها.
النشيد في الملاعب : وطن التسعين دقيقة
في الملاعب، يتخذ النشيد معنى آخر. في الدقيقة التي تسبق صافرة البداية، يصبح لحظة توحيد نادرة : يقف المختلفون سياسياً واجتماعياً وجهوياً تحت علم واحد، يردّد بعضهم الكلمات ويكتفي آخرون بالصمت احتراماً، لكن الجميع في صف واحد. في البيوت والمقاهي والمدارج، يكشف النشيد أنّ هذا الوطن ما زال قادراً على جمع أبنائه، ولو لتسعين دقيقة فقط.
لماذا يبدو النشيد في الملاعب أكثر صدقاً منه في المنصات الرسمية؟ لأن الرياضة في جوهرها أقل تعقيداً، وأقرب إلى الشعور الخام. الرهان فيها رمزي لا معيشي، والانتماء فيها إحساس لا حساب. في هذا الحيّز الآمن، يعود الوطن إلى صورته الأبسط والأصدق.
حين تعجز السياسة عن أن تكون وطناً مشتركاً، تصبح المدارج آخر مكان يبدو فيه الوطن ممكناً. وهناك، بين راية تُرفرف ونشيد يُردَّد، يظل السؤال معلّقاً : متى يتصالح ما نقوله في نشيدنا مع ما نعيشه في دولتنا؟
ربما حين نفهم أن قيمة الرمز لا تكمن في كلماته ولحنه، بل في قدرتنا الجماعية على أن نجعل منه حقيقة نعيشها، لا مجرد شعار نردده. وربما تكمن الحكمة في أن أبا القاسم الشابي، الذي لم يعش ليرى الاستقلال، قد وضع في شعره ما يتجاوز كل الأنظمة والمراحل : إرادة الحياة التي تسبق كل نشيد وتبقى بعده.
* ضابط سابق بالحرس الوطني.



شارك رأيك