شهدت فنزويلا، الدولة الغنية بالموارد النفطية والواقعة في قلب أمريكا اللاتينية، واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية في العقود الأخيرة. ومع تصاعد التوترات الداخلية بين الحكومة والمعارضة، برز الدور الأمريكي كعامل خارجي مؤثر في مسار الأحداث. فمنذ بدايات القرن العشرين، ارتبطت السياسة الأمريكية في المنطقة بالسعي إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وضمان تدفق الطاقة، وهو ما جعل فنزويلا ساحةً للصراع الجيوسياسي بين واشنطن وحلفائها من جهة، والقوى المناهضة لها من جهة أخرى.
الدكتور حسن العاصي

لقد اتخذ التدخل الأمريكي في فنزويلا أشكالًا متعددة، تراوحت بين العقوبات الاقتصادية القاسية، والدعم السياسي والإعلامي للمعارضة، وصولًا إلى محاولات عزل النظام الفنزويلي على الساحة الدولية. هذه السياسات أثارت جدلًا واسعًا حول مفهوم السيادة الوطنية، وحدود النفوذ الخارجي، وتأثيرها المباشر على حياة الشعب الفنزويلي الذي وجد نفسه عالقًا بين أزمة داخلية خانقة وضغوط خارجية متزايدة.
إن دراسة هذا الموضوع لا تقتصر على تحليل العلاقة الثنائية بين واشنطن وكاراكاس، بل تمتد إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الدولي، وصراع القوى الكبرى على الموارد، وكيفية انعكاس ذلك على استقرار الدول النامية. ومن هنا تأتي أهمية تناول التدخل الأمريكي في فنزويلا باعتباره نموذجًا حيًا لتشابك السياسة والاقتصاد والجغرافيا في عالمنا المعاصر.
وفي عصر يُفترض أن تكون فيه قيم “العالم المتحضر” مرادفًا للعدالة والحرية واحترام السيادة، يطلّ علينا مشهد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا أمس، السبت، 3 جانفي 2026، كواحد من أكثر الأمثلة فجاجة على التناقض بين الشعارات والممارسات. فما يُسمّى بالتدخل لحماية الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان سرعان ما ينكشف عن وجهه الحقيقي: التوحش السياسي والاقتصادي، حيث تُستباح سيادة الدول، وتُنهب ثرواتها، ويُفرض عليها حصار خانق يطال المواطن البسيط قبل أن يطال السلطة. إن هذا التوحش لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى فرض سرديات إعلامية مهيمنة تُشيطن الآخر وتُبرر التدخل، في مشهد يعكس أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي المعاصر.
لقد تحوّل التدخل العسكري إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، حيث تُستبدل لغة الحوار بلغة الإكراه، ويُستبدل منطق القانون الدولي بمنطق القوة العارية. وهنا تبرز مصطلحات مثل “التوحش الإمبراطوري”، “الهيمنة العارية”، و”الاستعمار الجديد” لتصف واقعًا يُعيد إلى الأذهان أكثر اللحظات قتامة في التاريخ الحديث. فبدل أن يكون العالم المتحضر نموذجًا للتعايش والعدالة، أصبح انعكاسًا لانهيار تلك القيم أمام جشع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.
إن تناول هذه قضية لفنزويلا لا يعني فقط الحديث عن بلد بعينه، بل هو حديث عن أزمة القيم العالمية، عن التناقض بين الخطاب الليبرالي الذي يرفع شعار الحرية والديمقراطية، وبين الممارسة الواقعية التي تُعيد إنتاج التوحش بأشكال جديدة. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن للعالم أن يدّعي التحضر وهو يمارس أبشع صور العدوان؟ وكيف يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار منطق القوة على حساب منطق العدالة؟
خلفيات التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا
لا يمكن فهم الغزو الأمريكي لفنزويلا دون العودة إلى الخلفيات السياسية والاقتصادية التي شكّلت أرضيته. فمنذ عقود، كانت فنزويلا واحدة من أهم الدول المنتجة للنفط في العالم، حيث تمتلك احتياطيًا يُعد الأكبر عالميًا، وهو ما جعلها دائمًا في قلب الصراع الدولي على الطاقة. ومع صعود التيارات اليسارية في الحكم، خصوصًا في عهد هوغو تشافيز ومن بعده نيكولاس مادورو، تبنّت فنزويلا خطابًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، قائمًا على فكرة الاستقلال الوطني، وتوزيع الثروة لصالح الفئات الشعبية، ودعم قضايا الجنوب العالمي وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا التوجه مثّل تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية التي اعتادت أن ترى أمريكا اللاتينية “حديقتها الخلفية”.
الولايات المتحدة، التي ترفع شعار حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، سرعان ما وظّفت هذه الشعارات كغطاء لتبرير تدخلها في الشأن الفنزويلي. فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية الداخلية بفعل العقوبات والحصار، كانت واشنطن تُقدّم ذلك على أنه “دليل فشل النظام”، متجاهلة أن هذا الفشل هو نتيجة مباشرة لسياسات الخنق الاقتصادي التي فرضتها هي نفسها. وهكذا، تحوّل الخطاب المعلن إلى أداة لتشويه صورة فنزويلا أمام الرأي العام العالمي، بينما ظل الهدف الحقيقي هو السيطرة على مواردها النفطية وإعادة إدماجها في منظومة الهيمنة الأمريكية.
إن خلفيات الغزو تكشف عن مفارقة صارخة: فبينما يُقدَّم التدخل على أنه دفاع عن الديمقراطية، فإن الواقع يُظهر أنه دفاع عن مصالح استراتيجية واقتصادية بحتة. ففنزويلا لم تكن مجرد دولة “مارقة” في نظر واشنطن، بل كانت نموذجًا مقلقًا لإمكانية بناء مشروع مستقل في الجنوب العالمي، مشروع يرفض الخضوع للهيمنة ويبحث عن بدائل في التعاون مع قوى أخرى مثل روسيا والصين. وهذا ما جعلها هدفًا دائمًا لمحاولات الإطاحة بالنظام، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو عبر دعم المعارضة الداخلية، أو عبر التهديد المباشر بالتدخل العسكري.
إن هذا المحور يوضح أن الغزو الأمريكي لفنزويلا ليس وليد لحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التدخلات في أمريكا اللاتينية، حيث تتكرر ذات السيناريوهات: شيطنة الأنظمة المستقلة، حصار اقتصادي، دعم حركات معارضة، ثم محاولة فرض واقع جديد يخدم مصالح واشنطن. ومن هنا، يصبح الغزو الفنزويلي حلقة جديدة في سلسلة التوحش الإمبراطوري الذي يعيد إنتاج الاستعمار بأدوات حديثة، ويكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي.
مفهوم التوحش الإمبراطوري والمصطلحات المرتبطة به
حين نتأمل التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا، لا يمكننا أن نكتفي بوصفه مجرد تدخل سياسي أو اقتصادي، بل هو تجسيد حيّ لما يمكن أن نسميه التوحش الإمبراطوري. هذا المفهوم لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية المباشرة، بل يشمل منظومة كاملة من السياسات التي تُعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة: العقوبات الاقتصادية، الحصار المالي، الحرب الإعلامية، والدعم الخفي للمعارضة الداخلية. إن التوحش هنا ليس مجرد فعل عدواني، بل هو استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إخضاع الدول المستقلة وإعادة دمجها في منظومة الهيمنة العالمية.
ولعل أبرز المصطلحات التي تساعدنا على فهم هذا الواقع:
ـ التوحش الإمبراطوري يعكس استخدام القوة العارية دون اعتبار للقانون الدولي أو القيم الإنسانية، حيث تصبح مصالح القوى الكبرى هي المعيار الوحيد.
ـ الاستعمار الجديد يصف آليات السيطرة الحديثة التي لا تعتمد على الاحتلال المباشر، بل على أدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية تُحقق نفس الهدف: إخضاع الشعوب ونهب الموارد.
ـ الهيمنة العارية تعبير عن لحظة سقوط الأقنعة، حين تُكشف الشعارات الديمقراطية والإنسانية عن حقيقتها كغطاء لمصالح استراتيجية واقتصادية.
ـ الشرعية المفقودة مصطلح يصف حالة النظام الدولي حين يفقد قدرته على إقناع الشعوب بشرعيته، لأنه يمارس التوحش باسم القيم التي يدّعي الدفاع عنها.
إن هذه المصطلحات ليست مجرد أدوات لغوية، بل هي مفاتيح لفهم طبيعة النظام العالمي الراهن، الذي يُعيد إنتاج التوحش بأشكال أكثر تعقيدًا ودهاء. فالغزو الأمريكي لفنزويلا يكشف أن العالم المتحضر لم يعد قادرًا على إخفاء تناقضاته، وأن القيم التي يرفعها باتت مجرد شعارات تُستخدم لتبرير العدوان.
إن الحديث عن التوحش الإمبراطوري هو في جوهره حديث عن أزمة أخلاقية عالمية، حيث يُستبدل منطق العدالة بمنطق القوة، ويُستبدل القانون الدولي بمصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة. وهنا يصبح السؤال: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟
انعكاسات الغزو على فنزويلا داخليًا
التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا لم يكن مجرد حدث سياسي على مستوى العلاقات الدولية، بل ترك بصماته العميقة على الداخل الفنزويلي، حيث تحوّل البلد إلى ساحة اختبار قاسية لسياسات الحصار والتجويع. فالعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على الدولة لم تستهدف النظام وحده، بل أصابت المواطن البسيط في صميم حياته اليومية: نقص في الغذاء، ندرة في الأدوية، انهيار في قيمة العملة، وتراجع في القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. وهكذا، أصبح الشعب الفنزويلي يعيش تحت ضغط مزدوج: أزمة داخلية خانقة، وتدخل خارجي يضاعف من معاناته.
على المستوى السياسي، أدّى التدخل الأمريكي إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية، حيث تحوّل الصراع الداخلي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات بين السلطة والمعارضة، مدعومة من الخارج. هذا الانقسام أضعف الثقة في العملية السياسية، وأدخل البلاد في حالة من الاستقطاب الحاد الذي جعل أي مشروع إصلاحي أو حوار وطني شبه مستحيل. إن الديمقراطية التي يُفترض أن تُبنى على الحوار والشرعية الشعبية، تحولت إلى أداة ضغط تُستخدم لتبرير التدخل الخارجي، ما أفقدها معناها الحقيقي.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد انعكس الغزو في شكل تفكك النسيج المجتمعي، حيث ارتفعت معدلات الهجرة واللجوء، وازدادت الفوارق الطبقية بشكل صارخ. المواطن الفنزويلي، الذي كان يحلم بمشروع وطني مستقل قائم على العدالة الاجتماعية، وجد نفسه أمام واقع قاسٍ يفرض عليه الاختيار بين البقاء في وطن ينهكه الحصار، أو الهجرة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. هذا الواقع خلق حالة من الإحباط الجماعي، وأضعف الروح الوطنية التي كانت تشكّل ركيزة أساسية في مشروع فنزويلا المستقلة.
إن انعكاسات الغزو داخليًا تكشف أن التوحش الإمبراطوري لا يكتفي بإضعاف الدولة، بل يستهدف المجتمع نفسه، عبر ضرب مقومات الحياة اليومية، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وتفكيك الروابط الاجتماعية. وهكذا، يصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة، في مشهد يعكس بوضوح أن الغزو ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو حرب على الإنسان ذاته.
انعكاسات الغزو على النظام الدولي
هذا التدخل الأمريكي لم يكن مجرد حدث محلي يخص دولة واحدة، بل شكّل صدمة للنظام الدولي بأسره، لأنه كشف عن هشاشة القيم التي يُفترض أن تحكم العلاقات بين الدول. فحين تُستباح سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وتُفرض عليها عقوبات خانقة، ويُهدَّد نظامها السياسي بالتفكيك، فإن ذلك يعني أن القانون الدولي لم يعد المرجعية العليا، بل أصبح مجرد أداة تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمل حين تتعارض معها.
لقد أدى هذا الغزو إلى تآكل الثقة في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث بدا واضحًا أن هذه المؤسسات عاجزة عن حماية الدول الضعيفة أمام تغوّل القوى العظمى. وهكذا، تحوّل النظام الدولي من فضاء يُفترض أن يقوم على العدالة والتوازن، إلى ساحة مفتوحة لمنطق القوة، حيث يُملى على الشعوب مصيرها وفقًا لمصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة.
كما أن الغزو الأمريكي لفنزويلا عزّز منطق الاستقطاب العالمي، حيث وجدت قوى مثل روسيا والصين نفسها مضطرة إلى التدخل لدعم فنزويلا، ليس فقط دفاعًا عن حليف، بل أيضًا لمواجهة التمدد الأمريكي الذي يهدد مصالحها الاستراتيجية. هذا الاستقطاب أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، لكنه هذه المرة يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل القوة العسكرية مع الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا.
الأخطر من ذلك أن الغزو كشف عن أزمة أخلاقية عالمية: كيف يمكن للعالم أن يدّعي التحضر وهو يمارس أبشع صور التوحش؟ كيف يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟ إن ما حدث في فنزويلا يطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل النظام الدولي: هل نحن أمام عالم متعدد الأقطاب قادر على إعادة التوازن، أم أمام استمرار هيمنة إمبراطورية تُعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة؟
انعكاسات الغزو على العالم العربي والعالم الثالث
لا يمكن عزل التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا عن السياق الأوسع لتجارب العالم العربي والعالم الثالث، حيث تتكرر ذات السيناريوهات وإن اختلفت الجغرافيا. فالمشهد الفنزويلي يعيد إلى الأذهان ما حدث في العراق وليبيا، حين تحولت شعارات “حماية الديمقراطية” و”إنقاذ الشعوب” إلى أدوات لتبرير التدخل العسكري والاقتصادي، وانتهت إلى تدمير البنية التحتية، وتفكيك الدولة، وإغراق المجتمعات في الفوضى. هذه التجارب تكشف أن التوحش الإمبراطوري ليس استثناءً، بل هو قاعدة تُمارس كلما حاولت دولة أن تخرج من دائرة الهيمنة وتبني مشروعًا مستقلًا.
في العالم العربي، انعكست هذه السياسات في شكل أزمات متلاحقة: انهيار دول، تفكك مجتمعات، وتراجع الوعي الجمعي أمام سطوة الإعلام المهيمن الذي يُعيد إنتاج الرواية الغربية. وهكذا، يصبح الغزو الأمريكي لفنزويلا رسالة واضحة إلى كل دول الجنوب العالمي: أي محاولة للاستقلال السياسي أو الاقتصادي ستُواجه بالقوة، سواء عبر العقوبات أو عبر التدخل المباشر.
أما في العالم الثالث عمومًا، فقد عزّز هذا الغزو منطق المقاومة والرفض، حيث باتت الشعوب ترى في فنزويلا نموذجًا لصمود الدولة المستقلة أمام التوحش الإمبراطوري، تمامًا كما رأت في العراق وليبيا وسوريا نماذج لأثمان الاستقلال حين يُواجه بالقوة. هذا الوعي الجديد يُعيد إنتاج خطاب عالمي مضاد للهيمنة، خطاب يربط بين قضايا الجنوب من فلسطين إلى فنزويلا، ويؤكد أن المعركة ليست محلية، بل هي معركة إنسانية ضد نظام دولي فقد شرعيته الأخلاقية.
إن انعكاسات الغزو على العالم العربي والعالم الثالث تكشف أن القضية ليست مجرد صراع على النفط أو الموارد، بل هي صراع على الحق في الوجود المستقل، على حق الشعوب في أن تختار مصيرها دون وصاية أو إكراه. وهكذا، يصبح الغزو الفنزويلي جزءًا من معركة كبرى تُخاض في الجنوب العالمي ضد التوحش الإمبراطوري، معركة تُعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يبني نظامًا دوليًا قائمًا على العدالة، أم أن منطق القوة سيظل هو الحاكم الأوحد؟
البعد الأخلاقي والقيمي
إن أخطر ما يكشفه التدخل الأمريكي في فنزويلا ليس فقط حجم التدمير الاقتصادي والاجتماعي الذي خلّفه، بل انهيار صورة “العالم المتحضر” أمام أعين الشعوب. فحين تُرفع شعارات الحرية والديمقراطية لتبرير التوحش، وحين يُستبدل القانون الدولي بمنطق القوة العارية، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ما جدوى القيم إذا كانت تُستخدم كغطاء للعدوان؟
لقد أظهر هذا التدخل أن القيم العالمية التي يُفترض أن تكون مرجعية إنسانية مشتركة – كالعدالة، المساواة، احترام السيادة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها – قد تحولت إلى أدوات انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمل حين تتعارض معها. وهكذا، فقد النظام الدولي شرعيته الأخلاقية، لأن الشعوب باتت ترى في هذه القيم مجرد شعارات فارغة تُخفي وراءها أطماعًا اقتصادية واستراتيجية.
إن البعد الأخلاقي في هذه القضية يتجاوز فنزويلا ليطال صورة العالم بأسره. فحين يُمارس التوحش باسم التحضر، وحين يُستباح الإنسان باسم حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن الإنسانية نفسها باتت في أزمة. لقد أصبحنا أمام مفارقة صارخة: عالم يملك كل أدوات القوة والتكنولوجيا، لكنه يفقد القدرة على بناء منظومة قيمية جامعة. وهذا الانهيار الأخلاقي هو ما يهدد مستقبل البشرية أكثر من أي أزمة اقتصادية أو سياسية.
إن التدخل الأمريكي لفنزويلا يعيد طرح سؤال وجودي: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟ وهل يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص فنزويلا وحدها، بل تخص كل شعوب الجنوب العالمي، وكل من يؤمن أن العدالة لا يمكن أن تُختزل في مصالح القوى الكبرى.
الاختبار الأخلاقي للنظام الدولي
إن الغزو الأمريكي لفنزويلا ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل هو علامة فارقة تكشف عن طبيعة النظام الدولي في لحظته الراهنة، حيث تتعرّى الشعارات البراقة وتنكشف خلفها حقيقة التوحش الإمبراطوري. لقد رأينا كيف تحوّلت قيم الحرية والديمقراطية إلى أدوات لتبرير العدوان، وكيف استُبدل القانون الدولي بمنطق القوة العارية، وكيف أصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة في معركة لا تخصه، لكنها تُفرض عليه باسم حماية حقوقه.
إن انعكاسات هذا الغزو داخليًا على فنزويلا كانت كارثية: حصار اقتصادي خانق، انهيار اجتماعي، تفكك سياسي، وهجرة جماعية. وخارجيًا، كشف الغزو عن أزمة أخلاقية عالمية، حيث فقدت المؤسسات الدولية شرعيتها، وتحوّل العالم المتحضر إلى صورة مشوهة لانهيار القيم أمام جشع المصالح. لقد أصبحنا أمام نظام دولي يُدار بمنطق الاستعمار الجديد، حيث تُستباح الدول المستقلة، وتُنهب مواردها، وتُفرض عليها وصاية لا تختلف في جوهرها عن وصاية القرون الماضية.
أما بالنسبة للعالم العربي والعالم الثالث، فإن الغزو الفنزويلي يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وليبيا وسوريا، ويؤكد أن أي محاولة للاستقلال السياسي أو الاقتصادي ستُواجه بالتوحش ذاته. وهكذا، يصبح المشهد الفنزويلي جزءًا من معركة كبرى يخوضها الجنوب العالمي ضد الهيمنة، معركة لا تخص دولة بعينها، بل تخص حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي بناء مشروع حضاري مستقل بعيدًا عن وصاية القوى الكبرى.
إن البعد الأخلاقي لهذه القضية هو الأكثر خطورة، لأنه يكشف أن الإنسانية نفسها باتت في أزمة. فحين يُمارس التوحش باسم التحضر، وحين يُستباح الإنسان باسم حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن القيم العالمية لم تعد قادرة على حماية الشعوب، بل تحولت إلى أدوات لتبرير العدوان. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟ وهل يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص فنزويلا وحدها، بل تخص مستقبل البشرية بأسره. فالتدخل في فنزويلا ليس مجرد صراع على النفط أو السلطة، بل هو اختبار حقيقي للقيم العالمية، اختبار يكشف أن العالم المتحضر يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يُعيد بناء نظام دولي قائم على العدالة والإنصاف، وإما أن يستمر في إنتاج التوحش الإمبراطوري الذي يهدد وجود الإنسانية نفسها.
* باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا.



شارك رأيك