حين تُنتزع الملكة : ماذا يكشف الحدث الفنزويلي عن السياسة العالمية ؟ 

نادراً ما تعلن التحولات الكبرى نفسها بضجيج. كثيراً ما تأتي في هيئة خبر عابر، يتداوله الإعلام كواقعة أمنية أو تطور دبلوماسي، بينما يحمل في طياته ما هو أعمق : تغيّر في بنية السلطة نفسها، لا في وجوهها فقط. الحدث المتداول حول خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، بصرف النظر عن الجدل حول تفاصيله، يندرج في هذا النوع من الوقائع. فهو لا يطرح سؤال القوة أو الشرعية فحسب، بل يكشف تحوّلاً في الطريقة التي تُمارَس بها السلطة، وفي ما يُستهدف داخلها. لأن ما جرى لا يمكن فهمه من خلال إزاحة الرئيس وحده. بل من خلال النظر إلى موقع آخر، أقل وضوحاً وأكثر حساسية: موقع “الملكة”.

منال علبوشي *

ما وراء صورة السيدة الأولى 

سيليا فلوريس لم تكن زوجة رئيس بالمعنى البروتوكولي للكلمة. مسيرتها المهنية  كمحامية، ومدعية عامة سابقة، ورئيسة للبرلمان خلال مرحلة مفصلية من حكم  تشافيز جعلتها فاعلاً سياسياً قائماً بذاته، لا امتداداً رمزياً لزوجها. 

زواجها من مادورو بعد وفاة تشافيز لم يُقرأ، داخل فنزويلا وخارجها، كحدث شخصي فحسب، بل كحلقة وصل بين شرعيتين: شرعية الجهاز القانوني والمؤسساتي للثورة البوليفارية، وشرعية السلطة التنفيذية التي ورثت مشروعها. في هذا السياق، لم تكن فلوريس عنصراً إضافياً، بل جزءاً من معمار التوازن داخل نظام يعاني بطبيعته من هشاشة مزمنة. 

في منطق الشطرنج، قوة الملكة لا تأتي من قربها من الملك، بل من قدرتها على الحركة والربط والتغطية. سياسياً، كانت فلوريس تؤدي هذا الدور تحديداً. 

حين تُصاب البنية لا القمة 

السلطة لا تقوم على القوانين والأجهزة وحدها. فهي تحتاج إلى عناصر وسيطة: شخصيات قادرة على امتصاص التوتر، وتحويل الصراع إلى تفاوض، والقوة إلى سردية قابلة للتداول الاجتماعي. 

أشار بورديو إلى أن أشكال الهيمنة الأكثر فاعلية هي تلك التي لا تُمارَس بشكل مباشر، بل تتجذر في البنى الرمزية المشتركة. في هذا المستوى تحديداً، تلعب بعض الشخصيات أدواراً لا يُعلن عنها، لكنها حاسمة في استمرارية النظام. 

استهداف مثل هذه الشخصيات أو تحييدها لا يؤدي إلى انهيار فوري، لكنه يُدخل النظام في مرحلة جفاف رمزي. تستمر المؤسسات في العمل، لكن دون مرونة. تتكاثر الإجراءات، وتقلّ القدرة على الاحتواء. 

ما تقوله الأساطير عن السياسة 

الأساطير القديمة لم تُكتب للترفيه. بل كانت طريقة مبكرة لفهم انتظام العالم واختلاله.  حين اختُطفت بيرسيفوني، لم يُدمَّر العالم، لكنه دخل في الشتاء.  وحين أُخذت هيلين، لم يسقط نظام بعينه، بل اندلعت حرب غيّرت توازن الإقليم بأسره. 

في هذه السرديات، المرأة ليست تفصيلاً. هي نقطة التوازن. غيابها لا يُنتج الفوضى فوراً، بل يُنتج موسماً بارداً: السلطة تستمر، لكن الخصوبة السياسية تختفي. 

هذا المنطق الرمزي لا يزال صالحاً الى اليوم وإن لم يُذكر. 

من الاستراتيجية إلى القسوة 

في الشطرنج، التضحية بالملكة قد تكون تكتيكاً حاسماً، لكنها تجعل اللعبة أكثر خشونة، أقل إبداعاً، وأكثر اعتماداً على الاستنزاف. كذلك في السياسة. 

حين تُزال الوساطة، يصبح الحكم أكثر مباشرة، وأكثر اعتماداً على الردع والخوف. لا ينهار النظام، لكنه يفقد قدرته على الإقناع. الأمن يحلّ محل الشرعية، والصدمة محل التدرّج. 

هذا التحول لا يخص فنزويلا وحدها. بل يعكس اتجاهاً عالمياً أوسع: تراجع المساحات الرمزية لصالح سياسات القوة الصريحة، وتآكل الأدوار التي كانت تتيح للسلطة أن تُمارَس دون أن تبدو عنيفة. 

تونس كمثال عن غياب موقع الوساطة 

تونس ليست خارج هذا المشهد. بل تمثّل إحدى صوره الأكثر دلالة. فمنذ الاستقلال، لم تكن بعض الشخصيات النسائية المحيطة بالسلطة مجرّد حضور اجتماعي، بل عناصر توازن غير معلَن داخل النظام السياسي. 

وسيلة بورقيبة، على سبيل المثال، لم تحكم، لكنها كانت وسيطًا فعليًا بين الرئيس، الحزب، والإدارة. ومع تراجع حضورها، بدأ النظام يفقد مرونته قبل أن يفقد شرعيته. 

في عهد زين العابدين بن علي، تغيّر موقع الملكة : لم تعد وسيطة، بل أصبحت مركز استحواذ. تحوّل الدور من ربط السلطة بالمجتمع إلى ابتلاعها. وحين سقط النظام، لم يسقط فقط بفعل الاحتجاج، بل لأن البنية الرمزية التي كانت تضمن حدًا أدنى من القبول انهارت قبل ذلك بسنوات. 

بعد 2011، دخلت تونس مرحلة مختلفة: فراغ رمزي واضح. لم تعد هناك شخصية أو موقع يؤدي وظيفة الوساطة الوطنية. السلطة، بمختلف أشكالها، أصبحت أكثر مباشرة، أكثر خشونة، وأكثر ذكورية في أسلوبها: صراع، عقاب، استقطاب، دون ترجمة اجتماعية حقيقية للقانون أو القرار. 

تونس اليوم لا تعاني من غياب الدولة، بل من فائضها. دولة حاضرة في القرار، غائبة في الوساطة. قوية في الإجراء، ضعيفة في الترجمة الاجتماعية.  وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من يحكم ؟ بل: من يربط الحكم بالحياة اليومية ؟ وحين يغيب هذا الرابط، لا يدخل المجتمع في فوضى، بل في برودة سياسية طويلة. تستمر الحركة، لكن بلا دفء. تعمل المؤسسات، لكن دون شعور بالانتماء. ويصبح الزمن نفسه متجمّدًا، كما لو أن التاريخ يسير… دون أن يتقدّم. 

الشتاء السياسي 

ما يمكن استخلاصه من هذا الحدث يتجاوز الجغرافيا الفنزويلية. نحن أمام مرحلة دولية تتقلص فيها أدوار الوساطة، وتُستبدل بمنطق الكسر السريع والحسم المباشر. 

قد تنجح هذه المقاربة في تحقيق نتائج آنية. لكنها، كما تُظهر التجربة التاريخية، تفتح فصلاً مختلفاً: فصلاً تستمر فيه السلطة، لكن في مناخ بارد، حيث يقلّ النمو، ويزداد التصلّب. 

الشتاء السياسي لا يعني نهاية العالم. لكنه يعني أن ما ينمو خلاله يكون هشّاً، وأن كلفة الخروج منه تكون دائماً أعلى.

شارك رأيك

Your email address will not be published.