تونس : في مواجهة منطق القوة، الحل الوحيد جبهة داخلية قوية

لنترك العنتريات الفارغة و”التفرعين” جانبا. قد نتفق جميعا على أن الولايات المتحدة دولة مارقة، وقولوا فيها ما شئتم، لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن ذلك لن يغير من الواقع شيئا، على الأقل في الوقت الحالي. الحل الوحيد في مواجهة منطق القوة، جبهة داخلية قوية…

سامي الجلّولي *

​أحببنا أم كرهنا، نحن أمام قوة لا يوقفها شيء إذا ما قررت فعل أمر ما. سمّها ما شئت، سمّها غطرسة أو استعراض قوة، لكنها تظل واقعا ملموسا. لقد رأينا بنوكا وشركات عملاقة تذعن وتدفع مئات الملايين من الدولارات مقابل النجاة بمصيرها. شركة Alstom الفرنسية مثلا، سخر مديرها في البداية من غرامة أمريكية بـحوالي 770 مليون دولار، لكنه في النهاية رضخ ودفع، ليس هذا فقط، بل استحوذ الأمريكان على الشركة. بل والأدهى أن فريقا من الـ FBI دخل مقر الشركة في قلب باريس وصادر ما شاء من وثائق دون أن يجرؤ أحد على منعهم، رغم أنهم على أرض دولة بقوة فرنسا.

​هذه اليد الطولى تصل إليك حتى لو لم تطأ قدماك أمريكا. يكفي أن تستخدم الدولار في معاملة ماليّة، أو تستعمل Gmail في مراسلاتك، لتجد نفسك تحت طائلة قضائهم الذي يمارس اختصاصا دوليا عابرا للحدود.

قد تقول إن هذا غير شرعي، وسأقول لك نعم، لكنك لن تملك فعل شيء لتجنبه إذا دخلت المربّع…

​المشكلة أن البعض ما زال ينظر إلى أمور مصيرية واستراتيجية بمنظور عاطفي، متناسين أن قيادة الدول تختلف تماما عن قيادة الجمعيات الحقوقية.

نعم، نحن نرفض أي تدخل أجنبي، لكن السيادة تفتك بتحصين الجبهة الداخلية وليس بالشعارات. التحصين لا يكون إلا بحوار وطني حقيقي، وبالانفتاح على مختلف المشارب المؤمنة بالدولة المدنية والديمقراطية، وفتح الأبواب أمام الشباب للإبداع والعمل دون قيود قانونية بالية.

​منذ أشهر دعوت في مقال نشر بمجلة “L’Economiste Maghrébin”إلى ضرورة الجلوس إلى طاولة الحوار وبأن الوقت قد حان لمراجعات شاملة تمس الشأن العام… وأعتقد أن الفرصة لا زالت قائمة أمامنا رغم تأخرها…

بناء نظام اقتصادي وسياسي مترابط، وامتلاك ناصية العلوم، وتكوين جبهة وطنية تحمي مصالحنا العليا، هو الحصن الوحيد الذي يصعب اختراقه. خلاف ذلك، لن نصل بخطابنا الحالي إلا إلى بناء شعبوية زائفة وانتهازية ستكون عواقبها وخيمة على الجميع.

* خبير قانوني ومحلل سياسي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.