ما صرحت به المعلقة ايمان الجلاصي مساء اليوم الاربعاء 6 جانفي 2026 في برنامج رنديفو 9 على قناة التاسعة أثارت الجدل لدى رواد صفحات التواصل الإجتماعي و من بينهم الصحفي فاهم بوكدوس الذي كتب ما يلي:
حين تُقدَّم العنصرية كسياسة هجرة: منع الإنجاب بوصفه انحدارًا أخلاقيًا وإعادة إنتاج لأفكار مُدانة
“ضرورة منع النساء الافارقة من الانجاب في تونس “،
لم اصدق نفسي وانا أستمع إلى معلقة في احدى القنوات التلفزية التونسية الخاصة تتحدث بأريحية كبيرة في موضوع يتقاطع فيه الإنساني بالقانوني والسياسي ويتطلب كثيرا من الحذر والدقة في التوصيف والمعالجة.
إنّ الدعوة إلى منع النساء الإفريقيات من الإنجاب — حتى حين تُقدَّم تحت ذريعة «التصدي للهجرة غير النظامية للأفارقة جنوب الصحراء» — ليست رأيًا صادمًا فحسب، بل هي انهيار أخلاقي وفكري كامل، وخروج صريح من مجال السياسات العمومية إلى منطق التحكم في الأجساد على أساس عرقي. فالهجرة، في كل تجارب الدول، مسألة قانونية واقتصادية وسياسية، تُدار بالقوانين والمؤسسات والاتفاقيات، لا عبر معاقبة النساء في أرحامهنّ، ولا عبر تحويل الخصوبة إلى «خطر أمني».
هذا الطرح يقوم على افتراض عنصري جوهري: أن المرأة الإفريقية ليست إنسانًا كامل الحقوق، بل أداة ديموغرافية لإنتاج «مشكلة». وهو منطق لا يحمّل السياسات الفاشلة مسؤوليتها، بل ينقل اللوم إلى الأجساد الأضعف، ويختزل ظواهر معقّدة — كالهجرة والفقر — في لون البشرة وعدد المواليد. هكذا يتحوّل النقاش من إصلاح الدولة إلى معاقبة الضحية، ومن البحث عن حلول إلى تبرير الإقصاء.
وهذا المنطق ليس جديدًا، بل هو مُعاد تدويره من تجارب أدانها العالم واعتبرها وصمة عار. ففي الولايات المتحدة، طُبّقت خلال القرن العشرين سياسات التعقيم القسري بحق السود والفقراء والمهاجرين بدعوى حماية المجتمع، ثم أُدينت رسميًا واعتُبرت عنصرية وانتهاكًا جسيمًا للحقوق الإنسانية.
وفي كندا، استُهدف السكان الأصليون بسياسات مماثلة تحت خطاب «تقليص العبء الاجتماعي»، قبل أن تُلغى وتُدان ويُعترف بضحاياها.
أما في ألمانيا النازية، فقد بدأ الأمر بخطاب عن «الخطر الديموغرافي» و«التكاثر غير المرغوب فيه»، وانتهى إلى سياسات إبادة، وهو ما جعل التحكم في الإنجاب على أساس عرقي خطًا أحمر مطلقًا في الفكر السياسي الحديث.
وفي بيرو، استُخدمت ذريعة التنمية لممارسة تعقيم واسع لنساء من السكان الأصليين، قبل أن تُصنّف تلك
السياسات كجريمة وانتهاك ممنهج للحقوق الإنجابية.
وفي الهند، تحوّلت سياسات ضبط النسل القسري إلى مثال عالمي على فشل الدولة حين تتعامل مع البشر كأرقام. وحتى اليوم، كلما حاولت تيارات يمينية متطرفة في أوروبا إحياء خطاب «الخطر الديموغرافي» وربط الهجرة بالخصوبة، وُوجهت هذه الطروحات بإدانات واسعة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لحقوق الإنسان والديمقراطية.
القاسم المشترك في كل هذه التجارب واحد:
تبدأ الفكرة بلغة «واقعية» تتحدث عن أمن أو اقتصاد، ثم تُحمَّل فئة ضعيفة مسؤولية أزمات بنيوية، ثم يُستهدف الجسد — خصوصًا جسد المرأة — باعتباره أداة للضبط، لتنتهي التجربة بالإدانة والاعتذار والاعتراف بالخطأ.
أما الخطر الأكبر، فيكمن في تداول مثل هذه التصريحات في وسائل الإعلام وكأنها آراء قابلة للنقاش. فالإعلام، حين يمرّر هذا الخطاب دون تفكيك أو إدانة واضحة، لا ينقل الفكرة فقط، بل يساهم في تطبيع العنصرية، وفي تهيئة الرأي العام لتقبّل انتهاكات أشد خطورة لاحقًا. هنا تتحول المنابر من فضاء للنقاش العام إلى أدوات لتسويغ العنف الرمزي ضد فئات هشّة، وعلى رأسها النساء ذوات البشرة السوداء.
إن منع الإنجاب ليس سياسة هجرة، وليس حلًا، وليس «جرأة فكرية»، بل هو استدعاء مكشوف لأفكار فاشلة ومُدانة تاريخيًا. والسكوت عنها، أو تبريرها، أو تقديمها في صيغة تحليل عقلاني، ليس حيادًا، بل مشاركة في انزلاق خطير يهدد أسس المساواة والكرامة الإنسانية. رفض هذا الخطاب ليس مسألة اختلاف في الرأي، بل ضرورة أخلاقية لحماية المجتمع من التحول إلى فضاء فرز بشري، تُقاس فيه قيمة الإنسان بأصله لا بإنسانيته”.



شارك رأيك