لم تكن الدعوات إلى التحكم في تكاثر فئة بشرية بعينها يومًا مسألة رأي عابر أو زلّة لسان. تاريخيًا، شكّلت هذه الدعوات العمود الفقري لسياسات اليوجينيا * (eugénisme) التي برّرت التعقيم الإجباري، الإقصاء، والعنف الممنهج ضد جماعات اعتُبرت ”أدنى“ أو ”عبئًا“ على المجتمع. لذلك، فإن التصريح الأخير المنسوب للصحفية إيمان الجلاصي، والذي دعت فيه إلى “تعليم الأفارقة السود عدم التكاثر”، لا يمكن قراءته خارج هذا الإرث الثقيل، حتى وإن قُدّم في صيغة “توعية” أو “حلّ اجتماعي”.
نجاة الزموري **

خطاب قديم بعبارات جديدة
جوهر الفكرة ليس جديدًا؛ فهي تقوم على تحديد جماعة بشرية بعينها، تُعرَّف على أساس اللون أو الأصل، ويُنظر إلى تكاثرها باعتباره مشكلة ينبغي الحدّ منها. هذا المنطق هو نفسه الذي حكم برامج التعقيم القسري في الولايات المتحدة وأوروبا خلال القرن العشرين، وسياسات ألمانيا النازية، كما وجّه ممارسات استعمارية استهدفت نساء السكان الأصليين في إفريقيا وآسيا.
الاختلاف اليوم لا يكمن في المضمون بل في اللغة المستعملة؛ فلم يعد يُقال صراحة «نمنعهم من الإنجاب»، بل يُستعاض عنها بعبارات من قبيل «نعلّمهم عدم التكاثر». غير أن النتيجة الأخلاقية والسياسية تظل واحدة: نزع الشرعية عن حق فئة بشرية في الوجود وفي التكاثر.
لماذا هذا الخطاب خطير؟
هذا الخطاب خطير لعدة أسباب مترابطة؛ فهو عنصري في جوهره لأنه يربط مشكلات اجتماعية أو اقتصادية بخصائص بيولوجية أو إثنية لجماعة بعينها، بدل تفكيك السياسات العامة وعلاقات الهيمنة وعدم المساواة التي تنتج تلك المشكلات.
وهو كذلك يمهّد لانتهاكات جسيمة، إذ إن أي تشكيك في حق جماعة ما في الإنجاب يفتح الباب لتبرير التعقيم القسري، أو ممارسة ضغوط طبية واجتماعية، أو حتى حرمان الأفراد من خدمات أساسية.
كما أنه يعيد إنتاج العنف الاستعماري عندما يصدر من موقع رمزي أو إعلامي، لأنه يبعث من جديد ثنائية “الأبيض/الأفضل” مقابل “الأسود/المشكلة”، وهي صورة صنعها الاستعمار ولا تزال تتحكم في اللاوعي الجمعي.
وأخيرًا، فإن هذا الخطاب يتناقض صراحة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يكرّس الحق في الإنجاب واتخاذ قرارات حرّة ومستنيرة بشأن الجسد كحق أصيل مكفول للجميع دون أي تمييز، ويجعل من أي دعوة تستهدف جماعة بعينها شكلًا من أشكال التحريض التمييزي مهما كانت النوايا المعلنة وراءها.
الإعلام والمسؤولية الأخلاقية
لا نطلب من الصحفيين أن يكونوا بالضرورة محايدين، لكن يُنتظر منهم قدرٌ عالٍ من الوعي بتاريخ الكلمات التي يستخدمونها، وإدراكٌ عميق لأثر خطابهم في مجتمع يشهد تصاعدًا مقلقًا للعنصرية وكراهية الآخر، إلى جانب التزام واضح بمبدأ عدم التحريض وعدم نزع الإنسانية عن أي فئة. فالمنصّة الإعلامية ليست فضاءً محايدًا، والكلمة حين تخرج منها لا تبقى رأيًا شخصيًا، بل تتحوّل إلى قوة سياسية قادرة على التطبيع مع العنف أو مقاومته
المشكلة الحقيقية ليست في الأجساد بل في السياسات والاختيارات العامة والهجرة، والهشاشة الاجتماعية، والضغط على الخدمات العامة لا يمكن معالجتها عبر شيطنة جماعة بشرية بعينها، ولا من خلال التحكم في أرحام النساء، ولا بتحميل الضحايا مسؤولية أزمات لم يكونوا سببًا فيها.
هذه المقاربات لا تعالج المشكل بل تعمّقه وتضفي عليه بعدًا عنصريًا وخطيرًا. إن الحلول الحقيقية تمرّ عبر إرساء سياسات اجتماعية عادلة، ومكافحة التمييز البنيوي، وضمان توزيع أكثر عدلًا للثروات، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، أيًا كان لونه أو أصله.
حين يُعاد طرح أفكار التحكم في تكاثر البشر، ولو بعبارات «ناعمة» أو مغلّفة بخطاب عقلاني ظاهريًا، نكون أمام إنذار أخلاقي وسياسي خطير. فالتاريخ يعلّمنا أن أول خطوة نحو الانتهاك الجسيم لا تبدأ بالقوانين ولا بالإجراءات، بل بكلمة، ثم بخطاب يُطبّع الإقصاء، قبل أن يتحوّل إلى سياسة تمسّ الأجساد والحقوق.
لذلك، فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس: من الذي يتكاثر أكثر؟ بل السؤال الأعمق والأخطر: من الذي يملك السلطة ليقرّر من يستحق الحياة والإنجاب، ومن لا يستحقهما؟
* يمكن تعريف اليوجينيا أو علم تحسين النسل الكلاسيكي بأنه برنامج لتحسين التركيبة البيولوجية للسكان البشريين من خلال الانتقاء الاصطناعي.
** عضوة بمجلس الصحافة.



شارك رأيك