ترامب يحيي نهج الأباطرة لتغيير الأنظمة والاستيلاء على ثروات الشعوب

الطغيان يتلوه على الأرجح سقوط مدوٍّ، كالذي أهلك جنكيز خان وهولاكو، حينما ظنا أنهما قد وصلا إلى مرحلة من الجبروت والاستغلال ما يجعلهما ينعمان إلى الأبد، وجاء طوفان الأقصى ليوقف الزحف الصهيوني ويكسر لغة الجيش الذي لا يقهر، وتأتي أمريكا اليوم بكامل عتادها لتقع في الفخ هي الأخرى ولكن القوة القاهرة التي يتبعها ترامب لها نهاية غير سليمة لترامب وإدارته المتطرفة.

فوزي بن يونس بن حديد

ما حدث وما سيحدث في العالم من خرق للقوانين الدولية وانقلاب على الديمقراطية العالمية، وازدراء بحقوق الإنسان، يعود بنا إلى زوايا التاريخ القديم عندما أسس جنكيز خان امبراطورية المغول لتصبح أكبر امبراطورية في التاريخ من الاستبداد والقتل والسرقة والاعتداء وإهانة الإنسان، بعد أن سرى في جسم الأمة الإسلامية ضعف كبير وتخاذل عن نصرة الحق وإلهاء وتبذير ولهو ومتعة، نسي المسلمون على إثرها رسالتهم العظيمة في التبليغ والتوجيه والإرشاد.

ورغم أن الإسلام حذر أتباعه من مباغتة العدو في أي وقت يراه مناسبا إلا أن بعضهم استكان له ليقضي على بني جلدته وأتباع دينه، فجاءت النكسة وراء النكسة والنكبة وراء النكبة ليحل هولاكو خان ببغداد أرض الخلافة والحضارة والتاريخ ويستبيحها عن آخرها ويقضي على ما تبقى من المسلمين ويحول المدينة وما حواليها إلى أشلاء ممزقة تذيب لها القلوب، ثم أكمل تيمورلنك ما أسسه أجداده قبله من فساد عظيم في الأرض واعتداءات وقتل وتدمير واسع في أرض الإسلام وما جاورها من بلدان إلى أن جاء السّلطان سيف الدين قطز وقضى عليهم في معركة عين جالوت في فلسطين وكسر أسطورة جيشهم الذي لا يُقهر وأنقذ العالم الإسلامي من سيطرتهم ثم توالت انتصارات المسلمين من بعده على يد القادة أمثال الظاهر بيبرس لتنشأ بعدها دولة المماليك.

كما عملت الدولة الإسلامية على صدّ الحملات الصليبية المتتالية على المنطقة، بدءًا من القرن الحادي عشر ميلادي، واستمرت لقرنين من الزمان تخللتها حروب كثيرة، ومن أشهر ما تم خلالها احتلال القدس من الصليبيين ثم قاد القائد صلاح الدين الأيوبي حملة ضدهم في معركة حطين وحرر القدس، وما بين عين جالوت وحطين سلسلة دموية كبيرة من الحقد المغولي والصليبي على المسلمين، وبقيت حالة الطغيان تظهر بين الفينة والأخرى في عصور مختلفة.

دونالد ترامب على خطى جنكيز خان وهولاكو

 وبعد الحرب العالمية الثانية ظن العالم أنه قد استفاق من غفوة الفوضى والقوة وقدم للإنسانية مبادئ جديدة تستند إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقدمت الدول الكبرى المنتصرة في الحرب نفسها على أنها الدول الراعية لهذه الحقوق ولن تسمح لأي معتد أن يتجاوزها، فنشأت منظمات دولية عديدة وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذان ترجع جميع الدول إليهما في حال الاعتداء عليها من أي طرف خارجي كان والالتزام بالقوانين المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، إلى جانب منظمات كبرى أخرى مثل مجلس حقوق الإنسان، ومحكمة العدل الدولية، ومنظمات الإغاثة والدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمات الدفاع عن المرأة والطفل، وغيرها الكثير من المنظمات التي نشأت رغم أنها قد نخرها الفساد إلى أخمص قدميها ولكن كانت تؤدي أعمالها تخفيفا على الإنسان أينما كان من ثقل الحروب والنزاعات وقسوة اللجوء والحرمان من الحياة بأبسط الحقوق.

لكن وبعد أن استمرت إسرائيل في غوغائها واعتدائها على الفلسطينيين وظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى والثانية حتى بدأ هذا النظام يشهد تراجعا كبيرا بعد تبني ترامب خططا وأفكارا جريئة تهدد السلم العالمي وتفكك البنيان الإنساني، فكان الشعار الذي رفعه منذ اليوم الأول في ولايته الأولى أمريكا أولا، يحمل في طياته هجوما غير عادي على المنظمات الدولية والدول المعارضة للسياسة الامبريالية والتطرف الصهيوني، وأحدث لنفسه سياسة تتسم بالتطرف الشديد حيث لا عدالة ولا حقوق ولا إنسانية، لتحل محل كل ذلك القوة ولا شيء غير القوة، ولا أدل على ذلك ما فعله عندما خسر الانتخابات في 2020 وهاجم الكونجرس الأمريكي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وانتشرت عصاباته تجوب الشوارع الأمريكية لتكون القوة هي المسار لا الديمقراطية.

أمريكا مقبلة على حروب عدة في إلى جانب إسرائيل

ومن هناك كانت سياسة ترامب في تعامله مع العالم، فهذا الرجل قد حنّ إلى جنون جنكيز خان وهولاكو، وجنّ جنونه من إيران واليمن وحزب الله وحماس وسوريا، وعمل على تقويض القضية الفلسطينية عبر إنكار حقوق الفلسطينيين وتوسيع دائرة الاستيطان الصهيوني، ومنح نتنياهو الضوء الأخضر للعبث بالمنطقة، فحدث ما حدث على الأرض، وبدأت سياسة ترامب في التبلور عبر استعمال القوة لتحقيق السلام، فغير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب لتنبيه العالم أن أمريكا مقبلة على حروب عدة في المنطقة إلى جانب حليفتها إسرائيل.

خدع ترامب ونتنياهو العرب والمسلمين عبر حوارات ما يسمى بالسلام، وعقد ترامب مؤتمرات ولقاءات باسم السلام، ولكنه في الوقت نفسه كان يمارس الإبادة الجماعية إلى جانب حليفه نتنياهو، لكن العرب والمسلمين في كل مرة يرون أن ترامب فعلا جاد في تحقيق السلام، في حين أنه كان يخدعهم مرة بعد مرة، ويحصل على ما يريد من المنطقة، وفعّل لغة القوة بالتدخل في كل مكان من العالم إن استدعى الأمر ذلك، فكانت الإطاحة برئيس فنزويلا والسيطرة على أكبر مخزون للنفط في العالم، والإعلان عن أرض الصومال، والتحضير لضرب اليمن والسيطرة على باب المندب، والتحضير لمهاجمة إيران والسيطرة على نفطها وعلى مضيق هرمز وتغيير نظامها السياسي، وكل ذلك سيجري على الأرجح بتخطيط امبريالي غير مسبوق.

ولكن هذا الطغيان سيتلوه على الأرجح سقوط مدوٍّ، كالذي أهلك جنكيز خان وهولاكو، حينما ظنا أنهما قد وصلا إلى مرحلة من الجبروت والاستغلال ما يجعلهما ينعمان إلى الأبد، وجاء طوفان الأقصى ليوقف الزحف الصهيوني ويكسر لغة الجيش الذي لا يقهر، وتأتي أمريكا اليوم بكامل عتادها لتقع في الفخ هي الأخرى ولكن القوة القاهرة التي يتبعها ترامب لها نهاية غير سليمة لترامب وإدارته المتطرفة.

شارك رأيك

Your email address will not be published.