18 جانفي 1952 : ظروف وملابسات اندلاع ثورة الاستقلال التونسية

شهادة حيّة من قلب الحدث : نستحضر إحدى المحطّات المفصليّة في تاريخ تونس الحديث: إعلان الثورة المسلّحة ضدّ الاستعمار الفرنسي، في يوم 18 جانفي 1952، وهو القرار التاريخي الذي أعلنه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بعد مسار طويل، معقّد، ومتدرّج من النضال السياسي والوطني.

فؤاد المؤخر

ما يرد في هذا النص ليس قراءة لاحقة أو استنتاجًا تاريخيًّا مجرّدًا، بل هو شهادة حيّة ودقيقة، استقيتها مباشرة من أحد أبرز مناضلي تلك المرحلة، رجلٍ واكب الأحداث من داخلها، وساهم بفاعلية في بلورة مساراتها السياسية والتنظيمية، وأعطى للثورة أبعادها الوطنية والدولية الصحيحة.

واجب الاعتراف للتاريخ

بعد مرور أكثر من خمس سنوات على انتقاله إلى الرفيق الأعلى، أرى اليوم أنّ من الواجب التاريخي ذكر اسم هذا المناضل العصامي الصادق، الذي رفض في حياته أيّ تنويه أو إبراز لدوره، مؤمنًا بأنّ ما قام به لم يكن سوى أداء واجب تجاه الوطن. إنّه الدكتور حامد القروي، الوزير الأوّل الأسبق للجمهورية التونسية.

وقد لخّص فلسفته النضالية في عبارة ظلّت عالقة بالذاكرة: «ممنوع على الوطني، ولا سيما الدستوري، أن ينتظر من وراء أدائه لواجبه الوطني أي دعاية أو جزاء أو شكر.»

الدكتور حامد القروي.

من الإصلاح إلى الفعل الثوري: مسار تراكمي

لم يكن اندلاع الثورة التونسية حدثًا فجئيًّا أو انفعاليًّا، بل نتيجة مسار نضالي تراكمي شمل الحركة الإصلاحية، تأسيس الحزب الدستوري، تجديده في مؤتمر قصر هلال سنة 1934، ثم تفعيل النضال السياسي والميداني، إلى أن تهيّأت الشروط الموضوعية والسياسية لبداية المرحلة الثورية.

تصريح شومان (1950) : أمل محسوب واستثمار ذكي

تعود إحدى اللحظات المفصلية إلى 10 جوان 1950، حين صرّح وزير الخارجية الفرنسي الأسبق موريس شومان، خلال اجتماع بمدينة تيونفيل بمقاطعة الموزيل الفرنسية، بقوله: Nous allons mener la Tunisie vers l’indépendance («سنقود تونس نحو الاستقلال»).

التقط الدستوريون هذا التصريح فورًا، وخصوصًا الطلبة التونسيون بباريس، وفي مقدّمتهم الزعيم الحبيب بورقيبة، وارتقوا به إلى مستوى تصريح سياسي رسمي وملزم أخلاقيًّا (déclaration solennelle).

الاستراتيجية البورقيبية : اليد الممدودة والضغط المتدرّج

تمّ الترويج لهذا التصريح بأسلوب بورقيبي متّزن، يقوم على اليد الممدودة بنفَس حضاري مسؤول، سياسة المراحل، مبدئي: «خذ وطالب» و «الترغيب والترهيب».

كان الهدف غير المعلن هو دفع فرنسا نحو خيار الاستقلال، مع الإيحاء بأنّ ذلك قد يساهم في تحسين صورتها الدولية، خاصّة في ظلّ التدهور المتسارع لأوضاعها العسكرية في الهند الصينية، والتي انتهت لاحقًا بهزيمة مؤكّدة مع بداية سنة 1954.

حكومة شنيق : أمل تفاوضي سرعان ما تلاشى

في هذا المناخ، شارك الدستوريون في حكومة محمد شنيق المكلّفة بالتفاوض مع السلطة الاستعمارية، ومثّل الحزب آنذاك الزعيم صالح بن يوسف والمناضل محمد بدرة، غير أنّ المفاوضات دخلت سريعًا في حالة جمود ممنهج، حيث أتقنت السلطة الفرنسية سياسة المماطلة والتسويف.

الطلبة الدستوريون بباريس: دور مركزي وحاسم

أمام انسداد الأفق، لعب الطلبة الدستوريون بباريس دورًا محوريًّا، وكان في طليعتهم الطالب آنذاك الدكتور حامد القروي، الذي شغل منصب رئيس الشعبة الدستورية بباريس 115 Boulevard Saint-Michel ومؤسّس La Fédération Destourienne de France، وهو هيكل نضالي ضخم تمكّن من بعث ما لا يقلّ عن أربعين شعبة دستورية عبر مختلف المدن الفرنسية، سخّرت للدفاع عن القضية التونسية داخل الأوساط السياسية والإعلامية والنقابية.

إحياء الاتحاد العام لطلبة تونس

بمعيّة ثلّة من الطلبة التونسيين بفرنسا، من بينهم البشير بن يحمد، منصر رويسي، والاقتصادي الكبير الراحل منصور معلّى، تمّ تفعيل الاتحاد العام لطلبة تونس، الذي كان قد تأسّس شكليًّا بتونس، لكنّ السلطات الاستعمارية منعت نشاطه. تولّى حامد القروي منصب أوّل أمين عام فعلي للاتحاد، وكان مساعده النشيط منصور معلّى.

وقد لعب هذا الإطار دورًا بالغ الأهمية في تدويل القضية التونسية، إشراك طلبة مغاربة وأفارقة، الترويج لاستقلال البلدان المستعمَرة عبر كبرى الصحف الفرنسية مثل Le Franc-Tireur ، Le Combat، وLe Canard Enchaîné.

التراجع الفرنسي والقطيعة النهائية

تحت ضغط المعمّرين واليمين الفرنسي والجالية الاستيطانية بتونس، تراجعت الحكومة الفرنسية عمليًّا عن وعودها. وجاءت رسالة 15 ديسمبر 1951 لتؤكّد القطيعة : إصلاحات محدودة… دون أيّ استعداد لمغادرة تونس.

من السياسة إلى السلاح: 13 جانفي 1952

كان الردّ حاسمًا: عاد الزعيم بورقيبة إلى تونس، وألقى خطابه التاريخي في بنزرت يوم 13 جانفي 1952، معلنًا الكفاح المسلّح. كفاحٌ كان قليل السلاح، عظيم الإيمان، صادق النيّة، ونقيّ الهدف. بنادق صيد، وبقايا أسلحة من الحرب العالمية الثانية… لكن بإرادة لا تعرف العمالة ولا المساومة ولا المذلّة.

شارك رأيك

Your email address will not be published.