إن فشل التجربة الديمقراطية في تونس يوضح أن الديمقراطية والاستبداد ليسا نتيجتين، بل هما عمليتان سياسيتان متنازع عليهما داخل مجتمعات المنطقة، بهدف تحقيق تقرير المصير الحقيقي وتحقيق تطلعاتهم لحياة أكثر عدلاً. ( الصورة : مسيرة احتجاجية في 10 جائفي 2026 في تونس)
قد يبدو أن الذكرى السادسة عشرة لسقوط نظام بن علي، في 14جائفي 2011، تمرّ من دون دلالة تُذكر، في ظل عودة تونس إلى نادي الدول العربية السلطوية. ومع ذلك، لا تزال تونس تحتل موقعًا مركزيًا في النقاشات المتعلقة بالديمقراطية في المنطقة. ليس بوصفها «استثناءً» أو عبرة تحذيرية، بل باعتبارها مختبرًا غنيًا بالدروس المستخلصة.
الانتخابات غير كافية بمفردها
لقد أظهر عقدٌ من التجربة الديمقراطية أن الانتخابات والترتيبات الدستورية، على أهميتها، غير كافية بمفردها. فبناء ديمقراطية حقيقية يتطلّب تجاوز الفهم الضيّق والإجرائي للمشاركة الديمقراطية، والانخراط في تفكير أعمق حول التمثيل، والتواصل، والمساءلة، وإعادة التوزيع، والإصلاح المؤسسي.
لا تصبح مؤسسة أمنية أو هيئة قضائية خاضعة للمساءلة لمجرّد وجود رئيس أو برلمان منتخب ديمقراطيًا. كما أن الانتخابات الديمقراطية لا يمكنها تعويض عقود من القمع السياسي الذي قيّد طموحات الأحزاب السياسية وأضعف قدرتها على عكس الديناميات الاجتماعية
ومن هذا المنظور، تقدّم تونس أيضًا مثالًا صارخًا على كيفية ترسّخ الاستعادة السلطوية، وكيف يمكن التراجع عن المكتسبات الديمقراطية. فقد اعتمد ترسيخ حكم قيس سعيّد ليس فقط على القمع، بل أيضًا على تفعيل اختلالات بنيوية لم تُعالَج، من بينها اللامساواة الاقتصادية، وأمننة الحياة العامة، وإخضاع القضاء، والسيطرة على الإعلام، والاستقطاب، والتلاعب الرقمي، والخطابات القومية الإقصائية. وقد تتبّعت أبحاث مبادرة الإصلاح العربي كيف أسهمت هذه الديناميات، إلى جانب عقد اجتماعي فاقد للحيوية، ومجتمع مدني واقع تحت الضغط، وحركة عمالية مجزأة، في التفكيك التدريجي للتعددية وتضييق آفاق البدائل السياسية.
دعوة إلى التفكير في المستقبل
وعليه، فإن هذه الذكرى تشكّل دعوة إلى التفكير في المستقبل بدل الارتهان إلى الحنين. فبالنسبة إلى تونس، يتمحور السؤال حول كيفية تخيّل مسارات للخروج من ترسّخ السلطوية، مع البناء على دروس عقدٍ من الممارسة الديمقراطية. أما على المستوى الإقليمي، فلا تزال تونس تمثّل عدسة أساسية لفهم هشاشة الديمقراطية، وكذلك الشروط التي قد تجعل التجديد ممكنًا
إن انخراط مبادرة الإصلاح العربي المستدام يعكس التزامًا أوسع بالتعامل مع الديمقراطية والسلطوية لا بوصفهما محطّات نهائية، بل كعمليات سياسية متنازع عليها تخوضها مجتمعات المنطقة في سعيها نحو تقرير ذاتي ذي معنى وتحقيق تطلعاتها إلى حياة أكثر عدالة وفيما يلي عيّنة من الأعمال التي أُنجزت خلال السنوات الثلاث الماضية. ويجمع بينها خيطٌ ناظم يتمثل في محاولتنا فهم كيفية توزيع السلطة داخل المجتمع، وكيفية التعبير عنها، وكيف يدركها التونسيون، وكيف يسعون إلى مساءلتها وتحدّيها.



شارك رأيك