في قلب الفياضانات: حين يُترك الإعلام ليعوّض غياب الدولة

*بقلم فاهم بوكدوس

ما تزال العاثمة وعدد من المدن التونسبة تعيش منذ امس الاثنين على وقع تمطار طوفانية، تتّسع رقعتها وتتعمّق آثارها ساعة بعد أخرى، كاشفةً عن حجم الهشاشة التي بلغتها قدرة الدولة على إدارة المخاطر وحماية المواطنين في اللحظات الحرجة. وفي قلب هذه الأزمة، يبرز ارتباك السلطة التنفيذية وصمتها الجزئي كأحد أخطر ملامح الكارثة، لا باعتباره خللًا ثانويًا، بل عنصرًا فاعلًا في تعقيد الوضع. فإلى حدود هذه اللحظة، لم تقدّم السلطة خطابًا رسميًا واضحًا وشاملًا يضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري، ولم تُعلن بوضوح عن الخسائر البشرية، رغم تداول معطيات ميدانية مقلقة وعزل مناطق بأكملها.

إن هذا الغموض الاتصالي، في زمن الكوارث، لا يمكن تبريره بالحذر أو انتظار المعطيات النهائية، لأن الحق في المعلومة يصبح في مثل هذه الظروف جزءًا لا يتجزأ من الحق في السلامة. فحين تغمر المياه الأحياء السكنية، وتغلق الطرقات، وتُقطع سبل الوصول إلى احياء كاملة، يكون واجب السلطة التنفيذية أن تتواصل بانتظام، وبشفافية، وبخطاب موحّد، يشرح ما يحدث، ويحدّد مناطق الخطر، ويوجّه سلوك المواطنين. أمّا الصمت أو البلاغات المقتضبة والمتأخرة، فلا تنتج سوى الخوف، وتفتح المجال أمام الإشاعة، وتُضعف الثقة في الدولة كمؤسسة قادرة على القيادة في الأزمات.

ويزداد هذا التقصير خطورة حين يُنظر إليه في سياق تحذيرات سابقة أُطلقت منذ أكثر من سنة حول مخاطر العواصف والفيضانات، دون أن تقابلها إجراءات وقائية أو استعدادات جدية. فغياب الاستباق قبل الكارثة، ثم الارتباك أثناءها، يكشفان عن نمط متكرر في إدارة الشأن العام، يقوم على ردّ الفعل لا على التخطيط، وعلى احتواء النتائج لا منع الأسباب. وهو نمط يضع المواطنين في مواجهة الخطر بوسائلهم الخاصة، في ظل شعور متزايد بأن الدولة متأخرة عن الحدث أو عاجزة عن مواكبته.

وفي هذا الفراغ الاتصالي، برز دور وسائل الإعلام، وخصوصًا الإعلام العمومي، الذي وجد نفسه في موقع ملتبس بين واجب الإحاطة بالمواطنين ونقل ما يجري، وبين حدود دوره التي لا يجب أن يتجاوزها. فالإعلام، مهما بلغ حضوره الميداني أو كثافة بثّه، لا يمكن أن يتحوّل إلى بديل عن الاتصال الحكومي، ولا أن يتحمّل مسؤولية تفسير الواقع أو توجيه السلوك العام نيابة عن السلطة التنفيذية. إن تحميل الإعلام العمومي دور القيادة في لحظة الكارثة هو في حدّ ذاته اعتراف ضمني بفشل السلطة في أداء واجبها الاتصالي والسياسي.

ان دور الإعلام العمومي أساسي في نقل المعلومة، وفي بث التنبيهات، وفي إعطاء الكلمة للخبراء وللمتضررين، لكنه يظلّ وسيطًا لا صاحب قرار، وناقلًا لا مرجعية سيادية. وعندما يُترك وحيدًا في الواجهة، دون معطيات رسمية دقيقة، أو دون خطاب حكومي واضح، فإنه يُدفع قسرًا إلى ملء فراغ لا يخصّه، بما يحمله ذلك من مخاطر الخلط والتأويل والاجتهاد في لحظة لا تحتمل الارتجال.

إن الازمة الطبيعية التي نعيشها اليوم ليست فقط اختبارًا لقدرة الطبيعة، بل هي امتحان حقيقي لمدى تحمّل السلطة التنفيذية لمسؤولياتها الدستورية والأخلاقية في القيادة والتواصل والشفافية. فالدولة لا تُقاس فقط بعدد الآليات في الميدان، بل بقدرتها على الظهور كمرجعية وحيدة وواضحة للمعلومة والقرار. وأي محاولة لتعويض غيابها بالإعلام، مهما كانت نوايا هذا الأخير، لا تعني إلا شيئًا واحدًا: أن الخلل في السلطة، لا في
الكوارث الطبيعية”.

*النقابي و الحقوقي فاهم بوكدوس، المدير التنفيذي لنقابة الصحفيين

شارك رأيك

Your email address will not be published.