في أجواء يخيّم عليها الحزن والوفاء، احتضن مقرّ النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ، اليوم الأحد 25 جانفي الجاري ، موكب تأبين الفقيد كمال العبيدي، بحضور مهيب جمع عائلته وأصدقاءه ورفاق دربه وزملاءه من الصحفيين والصحفيات، الذين جاؤوا ليجددوا العهد لذكرى إنسان ترك أثراً لا يُمحى في قلوبهم وفي المهنة.
وقد استُحضرت خلال كلمات التأبين شهادات مؤثرة قدّمها كلّ من بشير واردة وحميدة البور وهشام السنوسي ونادرة بوكسرة، عبّروا فيها بحرقة صادقة عن محطات إنسانية ومهنية جمعتهم بالفقيد في فترات مفصلية من حياته. وتوقّف المتدخلون/ات عند ما تميّز به الراحل من قيم نبيلة، وخصال أخلاقية رفيعة، وكفاءة مهنية عالية، جعلت منه رفيقاً صادقاً وصحفياً ملتزماً، ترك بصمته الواضحة في
عديد المجالات طوال مسيرته الغنية بالعطاء
كما ابن نقيب الصحفيين زياد دبار الفقيد كمال العبيدي بالكلمة التالية:
الزميلات والزملاء،
الحاضرات والحاضرون،
عائلة الفقيد وأصدقاؤه
ورفاقه،
نودّع اليوم رجلًا لم يكن حضوره مرتبطًا بالضجيج، ولا أثره بحاجة إلى إعلان.
نودّع كمال العبيدي، لا بوصفه اسمًا في تاريخ الصحافة التونسية، بل بوصفه أحد أولئك الذين أعطوا لهذه المهنة معناها حين كانت مفرغة من المعنى، وحمَلوها كمسؤولية أخلاقية حين تحوّلت إلى
أداة في يد القمع.
كمال العبيدي لم يكن صحفيًا بالصدفة، ولا مناضلًا بالخطابة.
كان صحفيًا لأن الحرية كانت خياره، وكان مناضلًا لأن الصمت لم يكن ممكنًا.
ومنذ بداياته، فهم أن الصحافة ليست حيادًا شكليًا، بل موقفًا واعيًا في زمن يُعاقَب فيه من يطرح الأسئلة.
في تجربته الأولى داخل الإعلام العمومي، واجه مبكرًا واقعًا يعرفه كثيرون: خبر يُكتب وفق ما يُطلب، لا وفق ما يفرضه الضمير.
وحين طُلب منه أن يتكيّف، اختار أن يخرج.
ذلك القرار لم يكن انسحابًا، بل تأسيسًا لمسار كامل، عنوانه: لا مهنة بلا كرامة، ولا خبر بلا استقلالية.
لاحقًا، في الصحافة الدولية، لم يتعامل مع المسافة الجغرافية كمسافة أخلاقية.
ظلّ مشغولًا بسؤال الحرية، وبفضح آليات الاستبداد، وبالتحذير من تواطؤ الصمت.
لم يكن يكتب ليصنع صورة، بل ليكسر سرديات جاهزة، وليذكّر بأن الاستبداد لا يصبح أقل خطورة حين يُقدَّم بلباس الاستقرار.
ومع تراكم التجربة، أصبح واضحًا لديه أن الدفاع عن الصحافة لا يكتمل من داخل غرف التحرير فقط.
هكذا كان انخراطه المبكّر في العمل الحقوقي، ومساهمته في بناء هياكل الدفاع عن الحريات، تعبيرًا عن وعي عميق بأن الصحفي، حين يُمنع من أداء عمله، لا يدافع عن نفسه فقط، بل عن حق المجتمع بأسره في المعرفة.
في كل المواقع التي شغلها، وفي كل الأطر التي عمل داخلها، ظلّ كمال العبيدي ثابتًا على مبدأ واحد:
الصحفي ليس ضحية تحتاج إلى شفقة، بل فاعل يحتاج إلى حماية قانونية ومجتمعية حتى يؤدي دوره.
بعد الثورة، وحين بدا أن الأفق مفتوح لإعادة بناء المشهد الإعلامي، لم يتردّد في تحمّل مسؤولية إصلاح
معقّدة ومثقلة بالمقاومة.
قاد الهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال بروح نقدية صارمة، مدركًا أن أخطر ما يهدّد حرية الصحافة لا يكون دائمًا القمع المباشر، بل الالتفاف، والتطويع، وتحويل الإصلاح إلى واجهة بلا مضمون.
ما أنجزته تلك التجربة، من تصوّرات ونصوص مرجعية، لم يكن ثمرة توافق سهل، بل نتيجة عمل شاق، وصدام مع مصالح، وإصرار على أن الإعلام الحر لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الوصاية القديمة، ولا على فوضى بلا قواعد.
وفي النقاش العمومي حول حرية التعبير، لم يكن كمال العبيدي حاضرًا كواعظ، بل كصوت عقلاني، يدفع نحو العمل الجماعي، ويؤمن بأن الحرية لا تحمي نفسها بنفسها.
من هنا كان إيمانه بأهمية بناء أطر مدنية جامعة، تخرج بقضية حرية التعبير من الدائرة المهنية الضيقة، وتضعها في قلب المشروع الديمقراطي.
وعندما أسّس لاحقًا جمعية «يقظة من أجل الديمقراطية والدولة المدنية»، كان ذلك خلاصة مسار طويل، أدرك فيه أن الصحافة لا يمكن أن تزدهر خارج دولة قانون، وأن الحرية لا تصمد إن لم تسندها مؤسسات، وثقافة مواطِنية، ووعي مجتمعي.
كان كمال العبيدي قليل الكلام عن نفسه، كثير الانشغال بما يجب فعله.
وحين أتعبه المرض، لم يتحوّل إلى شاهد على الهزائم، بل ظلّ يقظًا، متابعًا، قلقًا على المعنى، وعلى المصير.
اليوم، نفقد رجلًا،
لكننا لا نفقد درسه.
درسه يقول لنا، نحن الصحفيين:
أن مهنتنا ليست محايدة حين يُقمع الناس،
وأن الصمت ليس موقفًا،
وأن الحقيقة لا تُؤجَّل.
ويقول لنا، جميعًا:
أن الحرية لا تُدافع عنها الخطب،
بل الاستقامة اليومية،
والاستعداد لدفع الثمن،
دون شكوى،
ودون ادّعاء بطولة.
باسم النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين،
وباسم كل من يؤمن أن الصحافة ضمير المجتمع،
نتقدّم بأصدق التعازي إلى رفيقته،
وإلى شقيقه معز،
وإلى عائلته،
وإلى كل من شاركه هذا الطريق الصعب.
وداعًا كمال العبيدي…
سيبقى اسمك علامة.
وسيظلّ صوتك حاضرًا،
كلّما حاولوا شراء الصحافة،
أو كسر الضمير،
أو تحويل الصمت إلى فضيلة.
رحمك الله.
*النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين



شارك رأيك