هل يغمر الشرق الأوسط الجديد المنطقة المغاربية ؟

استفزتني هذه الأيام صورة تم تداولها على الشبكة الاجتماعية و تتمثل في وقوف مجموعة من اليهود المغاربة قبالة إحدى بوابات الحدود الجزائرية المغربية المغلقة منذ 1994 و هم يلوحون بعلم إسرائيل، و قد رد عليهم مواطنون جزائريون برفع العلم الجزائري… و سواء كانت الحادثة حقيقية او كانت من تركيب الذكاء الاصطناعي فإن الأمر يسترعي الانتباه. 

سعيد بحيرة

فقبل السلام الإبراهيمي الذي استنبطه ترامب و جماعته لم يكن ليخطر على بالنا أن يحدث ذلك ابدا لأن أهالي أقطار المغرب الكبير يعرفون جيدا اليهودية و الصهيونية و يفرقون بالحدس و التجربة بين الاثنتين. كما أن للمغاربيين مشاعر جامحة تتعاطف مع الشعب الفلسطيني الذي يعاني الويلات تحت تلك الراية القميئة. و هم يعرفون أيضا اخوتهم في الوطن من اليهود الذين يختلفون عن اليهود المغاربيين الذين خانوا بلدانهم زمن الاستعمار او هاجروا إلى فلسطين المحتلة على موجات و انخرط جلهم في الأحزاب اليمينية المتطرفة و العنصرية. و لم تكن الدول الوطنية المغاربية دوغمائية في التعامل مع القضية الفلسطينية بل سلكت سياسات واقعية استندت إلى الشرعية الدولية …

أما اليوم فإننا نشهد انشقاقا خطيرا عنوانه تطبيع المملكة المغربية بالكامل مع الكيان الصهيوني بل الارتباط معه باتفاقيات أمنية مريبة و فسح المجال لأنشطته الخطيرة. 

الظرفيات تمر بعجالة في حين تستمر الثوابت بعناد

و إن كان كل بلد هو حر في اختياراته فإن الجغرافيا و التاريخ و الحضارة تفرض ضرورة تجنب المغامرة التي لا تحمد عقباها، ذلك أن الظرفيات تمر بعجالة في حين تستمر الثوابت بعناد. و إذا اختارت المملكة المغربية التطبيع فذلك لا يبرر التنمر على الجيران الأبديين و توريث الأجيال المقبلة أخطاء الذين انساقوا في السياسات المزاجية العابرة و هو ما يشبه المثل التونسي لمن يصدق ان القوي يحميه : “النعجة تفاخر بلية الكبش”… و ينطبق هذا المنطق الأهوج على كل المغامرين بالأمس و اليوم.

 و إذا كان اليهود المغاربة قد تمتعوا بنوع من إعادة الاعتبار فذلك لا يعني حسب فهمنا المتواضع أن يصبحوا اعوانا اسرائليين يستفزون الأجوار ليجروهم إلى المتاهات المبرمجة. 

و لعل هذا الذي يحدث ليس سوى ملمحا سطحيا لما يجري تنفيذه على الساحة من تكريس لمفهوم و لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرنا به بوش الصغير وواصله أوباما و بايدن و فرضه ترامب و نتنياهو عبر الحرب السافرة و الشاملة و إحياء النعرات الطائفية و الصراعات المذهبية و الخلافات الحدودية. فهل بلغت امواجه عمق المغارب بعد السواحل الأطلسية؟ و هل تم وضع خارطة التمدد من هناك نحو النواحي الشرقية؟

شروخ مهندسة و خطط مرسومة

يمكن أن يحصل ذلك بعد أن رأينا او تخيلنا رفع نجمة داوود في وجه معبر “الزوج بغال”، لكن للتاريخ مكر و ارتداد، فحذاري من الانخراط المتسرع في بؤر التوترات التي هي فخاخ قاتلة تهدر طاقات الشعوب و تحول انظارها عن قضاياها الحقيقية و تديم الخلافات… و إلا ما هي خلفية القضية الصحراوية ؟ و ما هي مبررات الانقسام المستمر في ليبيا ؟ و كيف ينقاد السودانيون إلى حرب عقيمة تعصف ببلادهم ؟ و ما مبرر وجود عشرات القواعد العسكرية الأمريكية في المشرق العربي ؟ و ماذا تخفي الخلافات النائمة بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي ؟ و كيف انخرط العرب في غزو العراق ؟ و ماذا يبرر الحرب العبثية في اليمن و سوريا؟…

إنها شروخ مهندسة و خطط مرسومة تمهد لإعادة رسم خريطة البلاد العربية و عندما يستعصي الأمر فترتبك الخطة يتم تجنيد الطابور الخامس الذي يمتد إلى سد النهضة و أرض صوماليا و جنوب السودان و بعض أعوان الداخل من المبشرين بحقوق الإنسان و الديمقراطية.

إنها جيوبوليتكيا التفتيت و التشرذم التي يعقبها الانهيار و السقوط، و لن توقف تنفيذها إلا وثبة كرامة و حرية تظل ممكنة رغم الشعور بالاحباط و الغبن فلنستيقظ و نغادر الأوهام قبل أن يغمرنا هذا المشروع الخبيث. 

* باحث جامعي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.