في بلادنا، توارثنا جيلًا بعد جيل حكمة شعبية ذهبية، بسيطة وعملية: امشِ الحيط الحيط.
نصيحة للحذر وللنجاة، ولتجنب المخاطر الصغيرة والكبيرة على حد سواء، أو على الأقل هكذا كنا نظن.
لكن يبدو أن الحائط نفسه لم يعد شريكًا في الحكمة القديمة، وأنه قد قرر أن يكون سيد الموقف.
اليوم، سقط الحائط، ليس على الأرض الفارغة، ولا على طريق مهجور، بل على رأس تلميذ بريء في الحادية عشرة من عمره، تلميذ في السنة الخامسة ابتدائي، في منطقة عين نشرى وسط مدينة تبرسق.
والأمر الأكثر غرابة وإثارة للتهكم الأسود، أن الحائط لم يكن جدار مدرسة، بل جدار تابع للادارة الجهوية للفلاحة. نعم، مندوبية الفلاحة، التي يفترض أن تكون بعيدة عن متاعب المدارس، وبعيدة عن الأطفال، وبعيدة عن كل شيء إلا أن الحائط قرر أن يقترب، ويختار ضحيته.
الطفل لم يخطئ، ولم يطالب بحق، ولم يرفع صوته، كل ما فعله أنه ذهب للتعلّم، بثقة في أن المدرسة مكان آمن… لكن الحائط، الذي يتبع إدارة بعيدة عن التعليم وعن الأطفال، لم يقرأ تلك التعليمات.
وفي هذا الحادث المفجع، يتحول الإهمال المؤجل منذ سنوات إلى مأساة حقيقية، ويصبح امشِ الحيط الحيط مجرد نكتة سوداء.
الجميع كان يعرف أن الحائط مائل، والجميع كان يعرف أن الإدارة عاجزة، لكن لا أحد تحرك حتى أصبح الموت على عين المكان خبرًا عاجلًا، وتحول الطفل الذي كان على مقاعد الدراسة إلى رقم في قائمة الإحصاءات الرسمية، مع عبارة جاهزة لتبرير الفشل: قضاء وقدر.
وبعد الكارثة تبدأ الطقوس المعتادة:
تصريحات مطمئنة، ولجان تحقيق، وزيارات مفاجئة من المسؤولين الذين لم يحركوا ساكنًا طوال السنوات الماضية، وتحليل سطحي للأحداث، بينما الحائط، ذلك الجدار الذي لم يُعطَ أي اهتمام، يبتسم في صمت، ويواصل مساره المائل، متحديًا كل قواعد المنطق والسلامة.
وهكذا تموت الحكمة القديمة، وتموت معها البراغماتية الشعبية:
امشِ الحيط الحيط لم تعد صالحة، فحتى الحائط الذي لا علاقة له بالمدرسة، ولا بالطفل، قد يقرر أن ينهي كل شيء.
لم تعد “الحيط الحيط” صالحة لزمنٍ صارت فيه الحيطان أخطر من الطرقات،
وصار الحذر جريمة بلا فائدة،
وصار المواطن مطالبًا بأن ينجو من كل شيء، إلا من الإهمال.
وفي النهاية، لا يُطلب منك إلا شيء واحد:
أن تصمت،
لأن الكلام — كما يُقال — قد يُسقط الحيطان،
أما الإهمال، فلا يسقط شيئًا… إلا البشر”.
و للتذكير:
“توفي أمس الأربعاء تلميذ يزاول دراسته بالسنة الخامسة ابتدائي، وذلك إثر سقوط جدار عليه بمدينة تبرسق التابعة لولاية باجة.
وأفادت النائب عن ولاية باجة، عواطف الشنيتي، أن التلميذ غادر المؤسسة التربوية لاقتناء وجبة خفيفة من مكان قريب، قبل أن ينهار عليه جدار تابع لمقر الإدارة الجهوية للفلاحة، مما أدى إلى وفاته في الحال، حسب تصريحها.
وتشهد مدينة باجة وعددًا من مدن الشمال الغربي منذ يوم أمس رياحًا قوية، وقد دعت السلطات المعنية المواطنين إلى توخي الحذر والاحتياط عند المرور قرب الجدران والأشجار.
ويُذكر أنه قبل نحو تسعة أشهر، جدّت حادثة مماثلة بمنطقة المزونة من ولاية سيدي بوزيد، حيث أسفر سقوط جدار المعهد الثانوي عن وفاة ثلاثة تلاميذ”، نقلا عن قناة الزيتونة.



شارك رأيك