عندما تفقد القوة العظمى المبادئ…

في صباح العشرين من جانفي 2025، وقف دونالد ترامب مجدّداً أمام مبنى الكابيتول ليؤدي اليمين الدستورية رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية للمرة الثانية. لم يكن هذا الحدث مجرّد عودة رجل مثير للجدل إلى سدّة الحكم، بل كان إيذاناً بتكريس قطيعة إبستيمولوجية عميقة في طبيعة القوة الأمريكية وممارستها على الساحة الدولية.

        العقيد محسن بن عيسى *

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بَنَت الولايات المتحدة قوتها العالمية على ثلاثة أركان متكاملة: الهيمنة العسكرية، القيادة الاقتصادية، والقوة الناعمة. لكن ما نشهده مع ترامب في ولايته الجارية هو تفكيك ممنهج لهذا النموذج الاستراتيجي.

النموذج الامبراطوري الجديد

تاريخيًا، بَنَت الولايات المتحدة قوتها العالمية على “ثالوث إمبراطوري” سمح لها بممارسة نوع فريد من القيادة الدولية، تجمع بين القوة الصلبة (فرض الإرادة بالقوة أو بالتهديد المباشر)، والقدرة على تشكيل القيم والمعايير العالمية.

لكن ما يجري اليوم في السياسة الأمريكية يؤكد أن ترامب يطرح نموذجًا بديلاً يقوم على ثلاث ركائز أيضًا: نزع الأيديولوجيا الليبرالية وإحلال الهوية الحضارية محلّها، وخصخصة أدوات القوة وتفكيك المؤسّسات التقليدية، واعتماد الحرب المعرفية كاستراتيجية حكم.

لم تكن البوادر غائبة، فولايته الأولى (2017-2020) أحدثت اهتزازات وأربكت النظام الدولي الليبرالي عبر الانسحاب من الاتفاقيات الدولية (اتفاق باريس للمناخ، الاتفاق النووي الإيراني، معاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ)، والتشكيك في جدوى حلف الناتو، وشن الحرب التجارية ضد الصين. وتمثل ولايته “هذه” تواصلاً متطرفًا ومنهجياً يُحوّل تلك الخيارات المربكة إلى عقيدة استراتيجية متماسكة. هذا فضلا عن أدلجة السياسة الخارجية وتحويلها من مشروع ليبرالي كوني إلى دفاع حضاري-ديني عن هوية محدّدة. لم يعد الأمر متعلّقًا بـ”أمريكا أولا” كشعار برغماتي، بل بـ “أمريكا المسيحية ضد العالم” كمشروع وجودي.

هذا التحول يُلاحظ في الوثائق الاستراتيجية: استراتيجية الأمن القومي 2025 والتي تُعرّف التهديدات بلغة حضارية، حيث تتحدث عن “الجنوب العالمي” كحقل مواجهة، وتستعيد صراحة مبدأ “مونرو” بصيغة معاصرة.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فالمتتبع للسياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة يلحظ تآكلاً تدريجياً لليقينيات الليبرالية : من أحادية القطب في التسعينيات، مروراً بمغامرات بوش الإبن الكارثية في العراق، وصولاً إلى تردّد أوباما وشعاراته الجوفاء (الخط الأحمر في سوريا، الاتفاق النووي مع إيران الذي نسفه خليفته، التدخل في ليبيا ثم الهروب). أوباما، الليبرالي المثالي ظاهرياً، مهّد لترامب عبر إفلاس الخطاب الليبرالي وكشف تناقضاته. لكن ترامب لم يُسرّع  فقط هذا التآكل، بل حوّله إلى مشروع سياسي.

اللاعقلانية الاستراتيجية

اليوم، تسعى الولايات المتحدة لإعادة قواعد اللعبة الدولية عبر نموذج استراتيجي جديد، يتلخّص في الانتقال من دبلوماسية المؤسسات الى دبلوماسية السرديات، ومن القوة كوسيلة إلى القوة كأيديولوجيا، ومن العقلانية الاستراتيجية إلى اللاعقلانية المحسوبة.

ولعل أوضح تجليات هذا النموذج ما نشهده منذ مدة. فالتصعيد العسكري ضد إيران، الذي يتجاوز حدود الردع إلى التهديد الصريح بتغيير النظام، يكشف عن تحول من الاحتواء الاستراتيجي إلى المواجهة المباشرة بلا اعتبار للتكلفة الإقليمية.

وفي فنزويلا، تتجاوز السياسة الأمريكية حدود دعم المعارضة إلى التدخل في الشؤون الداخلية وإيقاف رئيسها وعقيلته والتهديد بخيارات عسكرية، في استعادة واضحة لعقيدة “الفناء الخلفي” التي ميزت السياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية طوال القرن العشرين. والتي تأسست على مبدأ مونرو سنة 1823 وتعتبر بموجبها الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكارييبي مجالاً حصريًا لها.

أما التهديدات الموجهة لكندا بضمها كولاية أمريكية، وإن جاءت في صيغة استفزازية، فإنها تعكس استخفافاً غير مسبوق بالشراكات التاريخية والأعراف الدبلوماسية. والأكثر دلالة هو الحديث المتكرر عن السيطرة على غرينلاند، إما بالشراء أو بالقوة، وهو ما يستعيد منطق الاستعمار الإقليمي القديم بلا مواربة.

هذه التصرفات ليست مجرد تصريحات عابرة أو مناورات تفاوضية، بل هي تعبير واضح عن رؤية جديدة ترى في منطق القوة بديلاً عن الشرعية الدولية، وفي التوسع الجغرافي المباشر استراتيجية مشروعة، وفي تجاهل السيادة الوطنية للحلفاء قبل الخصوم أمرًا مقبولاً. إنها عودة صريحة إلى عقلية القرن التاسع عشر، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

خلّف هذا النموذج بالطبع، تداعيات عميقة على النظام الدولي: تآكل الثقة في الضمانات الأمريكية (الناتو، اليابان، كوريا الجنوبية)، تسارع التعددية القطبية (صعود البريكس، تحالفات عابرة للأيديولوجيا)، وبروز نماذج قوية بديلة (الصين، روسيا) لملء الفراغ القيمي الذي تركته واشنطن.

أحد أكثر التحولات دلالة في هذا السياق هو تفكيك البنية التحتية للدبلوماسية العامة الأمريكية التقليدية. لم يعد الأمر متعلقاً بتعديل أولويات السياسة الخارجية أو إعادة توزيع الموارد بين مناطق العالم، بل ـإعادة تعريف جذرية لمفهوم القوة ذاته. الولايات المتحدة في ولاية ترامب الثانية لا تسعى لتصدير الديمقراطية، ولا تدّعي تمثيل القيم الكونية، ولا تتظاهر بالحياد المعياري. بدلاً من ذلك، تنخرط في حرب حضارية معلنة، تدافع فيها عن هوية مسيحية-محافظة، تستخدم الاقتصاد كسلاح، وتحوّل المعلومات والسرديات إلى ساحة معركة رئيسية.

 سياسة ترمب ليست خطأ استراتيجياً عابراً، بل نموذج بديل يسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي بأكمله.

ما الذي يجب على الدول العربية فعله؟

في ضوء الحصيلة السلبية للدور الأمريكي في المنطقة العربية خلال العقود الماضية، كما تجلّى في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان، ومع تحوّل السياسة الأمريكية نحو مزيد من الذرائعية الفجة وتقديم المصالح الضيقة على أي التزامات أخلاقية أو سياسية، بات من الضروري إعادة تعريف العلاقة العربية–الأمريكية على أسس جديدة.

لا يتعلق الأمر بقطيعة شاملة مع الولايات المتحدة، وهو خيار غير واقعي ولا يخدم المصالح العربية، بل ببناء استقلالية استراتيجية تضع المصلحة العربية في المقام الأول، وتُنهي نمط التبعية الذي قيّد القرار العربي لعقود طويلة. تقتضي هذه الاستقلالية التحرك على ثلاثة مسارات متكاملة وحاسمة.

  • الاستقلالية السياسية: تتطلب انتهاج سياسة خارجية متوازنة، تقوم على تنويع الشراكات الدولية دون ارتهان لأي محور. ويشمل ذلك تعزيز التعاون مع أوروبا باعتبارها شريكًا طبيعيًا، ومع الصين كقوة اقتصادية صاعدة، ومع روسيا لتحقيق قدر من التوازن الاستراتيجي، إضافة إلى الانفتاح المنظّم على قوى إقليمية كتركيا والهند، وتفعيل التعاون جنوب–جنوب بهدف تقليص الهيمنة الأحادية على النظام الاقتصادي العالمي.
  • الاستقلالية الاقتصادية: لا يمكن تحقيق استقلال سياسي دون قاعدة اقتصادية صلبة. فالعالم العربي مطالب بكسر التبعية المالية عبر تنويع اقتصاده والتفكير الجدي في مرحلة ما بعد النفط، إلى جانب اعتبار الأمن الغذائي مسألة أمن قومي في ظل اعتماد المنطقة على استيراد أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية. كما يندرج في هذا السياق السعي إلى إنشاء آليات مالية عربية مستقلة، بما في ذلك صندوق نقد عربي فعّال، كبديل عن الارتهان لشروط المؤسسات المالية الدولية.
  • الاستقلالية الأمنية: في المجال الأمني، تبرز الحاجة إلى تطوير صناعة عسكرية عربية محلية ومشتركة، خاصة وأن الدول العربية تنفق سنويًا مئات المليارات على التسلح المستورد، دون امتلاك قرار تقني أو استراتيجي مستقل. ويكمل ذلك العمل التدريجي على بناء منظومة دفاع عربية، قادرة على توفير الحد الأدنى من الردع وحماية المصالح المشتركة.

إن الرهان الحقيقي ليس على استبدال تبعية بأخرى، بل على بناء قدرة عربية ذاتية تتيح هامش حركة أوسع في نظام دولي متحوّل، وتمنح القرار العربي ما افتقده طويلًا: الاستقلال، والواقعية، والقدرة على المناورة.

* ضابط متقاعد من الحرس الوطني.

                                                

شارك رأيك

Your email address will not be published.