فاهم بوكدوس يكتب : “استقلالية الجامعة التونسية على المحك…”

في قراءة ججاجية لمبادرة تشريعية لإلغاء انتخاب رؤساء الجامعات و تعويضه بآلية تعيين اداري، كتب الصحفي فاهم بوكدوس ما يلي:

أحال مكتب مجلس نواب الشعب الخميس الماضي للجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بالمجلس مبادرة تشريعية نيابية لتنقيح الية انتخاب رؤساء الجامعات.

يمثّل مشروع إلغاء انتخاب رؤساء الجامعات وتعويضه بآلية تعيين إداري تحوّلًا نوعيًا في منطق تنظيم التعليم العالي، لا يمكن فهمه خارج السياق السياسي والمؤسساتي العام الذي تعيشه تونس. فالمسألة لا تتعلّق فقط بتقنية قانونية أو بخيار إداري بديل، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجامعة، وبالحدود الفاصلة بين الإشراف العمومي المشروع والاستتباع السياسي للمؤسسات الأكاديمية.

لقد استقرّ في التجارب المقارنة، خصوصًا في أوروبا، أنّ انتخاب رؤساء الجامعات أو اعتماد آليات اختيار تشاركية ذات شرعية داخلية هو أحد الأعمدة الأساسية لضمان استقلال المؤسسة الجامعية. ففي فرنسا، مثلًا، ينصّ قانون التعليم العالي والبحث العلمي على أنّ رئيس الجامعة يُنتخب من قبل مجلس الإدارة، وهو مجلس تمثيلي يضمّ أساتذة وباحثين منتخبين، ممثلين عن الطلبة، وإداريين، إلى جانب شخصيات خارجية. ويُشترط في المترشّحين تقديم مشروع متكامل لتسيير الجامعة، يُناقش علنًا داخل الهياكل الجامعية. ورغم الانتقادات التي وُجّهت أحيانًا لهذا النظام، لم تُطرح العودة إلى التعيين كحلّ، بل تمّ تعزيز آليات التقييم وربط الصلاحيات بالمساءلة، إدراكًا بأنّ شرعية القيادة الجامعية شرط لنجاعة الإصلاح.

وفي إسبانيا، ينظّم القانون الأساسي للجامعات (Ley Orgánica de Universidades) آلية انتخاب رؤساء الجامعات من قبل الجماعة الجامعية، مع تفاوت في نسب التمثيل بين الأساتذة والطلبة والإداريين، لكن مع أولوية واضحة للأساتذة الباحثين. وقد أظهرت الدراسات التقييمية أنّ هذا النظام، رغم تعقيداته، مكّن الجامعات الإسبانية من الحفاظ على هامش استقلال فعلي في رسم سياساتها البحثية والبيداغوجية، حتى في فترات الأزمات الاقتصادية أو تغيّر الحكومات. فالقيادة المنتخبة، بحكم ارتباطها بشرعية داخلية، تكون أقلّ عرضة للضغط السياسي المباشر.

أما في إيطاليا، فينصّ قانون إصلاح الجامعات (قانون جيلميني لسنة 2010) على انتخاب رؤساء الجامعات من داخل الجماعة الأكاديمية، مع شروط صارمة تتعلّق بالكفاءة العلمية والخبرة الإدارية، ومدة ولاية محدّدة غير قابلة للتجديد أكثر من مرة. ورغم الطابع التقشّفي للإصلاح، لم يقع المساس بمبدأ الانتخاب، لأنّ المشرّع الإيطالي اعتبر أنّ الجامعة لا يمكن أن تؤدّي وظيفتها النقدية والعلمية إذا تحوّل رئيسها إلى موظف سامٍ خاضع لمنطق التعيين السياسي.

وتُظهر هذه الأمثلة أنّ الدول التي تسعى إلى تطوير أنظمتها الجامعية لا تتّجه نحو مركزة القرار، بل نحو موازنة دقيقة بين الاستقلال والمساءلة، عبر آليات انتخابية أو تشاركية تضمن انخراط الفاعلين الأكاديميين في الحوكمة. في المقابل، تُسجّل التجارب التي تعتمد التعيين المركزي الصرف—خصوصًا في السياقات السلطوية—تراجعًا في الثقة داخل الجامعة، وضعفًا في المبادرة البحثية، وتحويلًا للمؤسسة إلى فضاء امتثال بدل أن تكون فضاء تفكير ونقد.

في هذا الإطار، يكتسي المشروع التشريعي التونسي دلالة سياسية خاصة. فهو لا يأتي في فراغ، بل في سياق يتّسم بتراجع عام لآليات المشاركة، وتهميش متزايد للأجسام الوسيطة، وتضييق على الفضاء العمومي والنقابي. ومن ثمّ، فإنّ إلغاء الانتخاب داخل الجامعة يُقرأ كجزء من منطق أوسع يرمي إلى إعادة مركزة القرار، ليس فقط في المجال السياسي، بل أيضًا في المجالات المعرفية والثقافية. فالجامعة، بما تمثّله من فضاء لإنتاج الخطاب النقدي، تظلّ بطبيعتها غير قابلة للتدجين الكامل، وهو ما يفسّر السعي إلى ضبطها عبر آليات التعيين بدل آليات الشرعية الداخلية.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال أنّ تجربة انتخاب رؤساء الجامعات في تونس، رغم نقائصها، شكّلت إحدى مكاسب ما بعد 2011، إذ أقرّت مبدئيًا حقّ الأسرة الجامعية في اختيار من يقود مؤسساتها، وربطت المسؤولية الجامعية بالبرنامج والمحاسبة. وإذا كانت هذه التجربة قد أفرزت أحيانًا صراعات أو ضعفًا في الأداء، فإنّ ذلك لا يبرّر إلغاءها، بل يستوجب إصلاحها عبر تطوير شروط الترشّح، تعزيز ثقافة التقييم، وربط القيادة بعقود أهداف واضحة، كما هو معمول به في التجارب المقارنة.

إنّ الإشكال الجوهري في المبادرة التشريعية لا يكمن في مدّة الولاية أو في الصيغة الإجرائية للتعيين، بل في مصدر الشرعية. فرئيس الجامعة المعيَّن يظلّ، مهما كانت كفاءته، مرتبطًا بالسلطة التي عيّنته، في حين أنّ الرئيس المنتخب يستمدّ قوّته من الجماعة الأكاديمية، ما يمنحه هامشًا أوسع للدفاع عن استقلال المؤسسة وعن حرية البحث والتعليم.

وما يزيد من وجاهة التحفّظ على هذا المشروع أنّ الإشكال لا يتوقّف عند تعيين رؤساء الجامعات في حدّ ذاته، بل فيما قد يفتحه من أفق تشريعي وإداري أخطر، يتمثّل في تعميم منطق التعيين على بقية هياكل التعليم العالي، ولا سيّما عمداء الكليات ومديري المعاهد. فقبول مبدأ التعيين في أعلى مستوى من الهرم الجامعي من شأنه أن يُنشئ سابقة قانونية تُسهّل لاحقًا تبرير إلغاء ما تبقّى من آليات الاختيار التشاركي داخل المؤسسات الجامعية. وفي هذه الحالة، لا نكون أمام تعديل محدود، بل أمام إعادة هندسة شاملة لمنظومة الحوكمة الجامعية، تُفضي إلى إخضاع كامل السلسلة القيادية لمنطق القرار المركزي. وهو مسار، إذا ما ترسّخ، سيؤدّي إلى تفريغ المجالس العلمية والبيداغوجية من دورها الفعلي، وتحويلها إلى هياكل استشارية شكلية، بما يمسّ مباشرة مناخ الحرية الأكاديمية ويُضعف قدرة الجامعة على لعب دورها النقدي والعلمي. ومن هنا، فإنّ خطورة المشروع لا تكمن فقط في مضمونه المباشر، بل في الدينامية التي قد يُطلقها، وفي ما تحمله من تهديد تدريجي لاستقلال المؤسسة الجامعية ككلّ.

وعليه، فإنّ النقاش حول إلغاء انتخاب رؤساء الجامعات هو في جوهره نقاش حول طبيعة الدولة

التي تُبنى، وحول موقع الجامعة داخلها: هل تُراد لها أن
تكون فضاءً عموميًا مستقلًا، مشاركًا في النقاش الوطني، أم مرفقًا إداريًا يُدار بمنطق الطاعة والانسجام؟ وفي سياق تونسي يتّسم بتقلّص الفضاءات الديمقراطية، يصبح الدفاع عن الانتخاب داخل الجامعة دفاعًا عن أحد آخر معاقل المشاركة والشرعية الداخلية، وعن فكرة الجامعة باعتبارها مؤسسة نقدية لا مجرّد جهاز تنفيذي”.

فاهم بوكدوس

شارك رأيك

Your email address will not be published.