حرية التعبير بين الحماية القانونية وسوء الاستعمال

إن دولة القانون لا تقوم على منطق الانتقام، ولا على حماية انتقائية للحقوق، بل على قاعدة واضحة: حماية النقد السياسي، وتجريم التحريض، وضمان الحقوق للجميع دون ازدواجية. ومن يطالب اليوم بحماية حقه في التعبير، لا يمكنه التنصّل من مسؤوليته في احترام هذا الحق عندما كان موجّهًا ضد غيره، لأن الحقوق لا تُحمى بالخطاب الإقصائي، ولا تُصان حين تُقايَض بالعنف.

عمر الوسلاتي *

تُعدّ حرية التعبير من الحقوق الأساسية التي لا تستقيم دونها الحياة الديمقراطية، وقد حرص الإطار القانوني التونسي، بعد سنة 2011، على تكريسها بوصفها ضمانة للنقاش العام، وخاصة في الشأن السياسي.

ويأتي المرسوم عدد 115 المتعلّق بحرية الصحافة والطباعة والنشر ليؤكد مبدأً جوهريًا مفاده أن الرأي، مهما بلغت حدّته أو لذعه، لا يُجرَّم ما لم ينقلب إلى تحريض صريح على العنف أو الكراهية أو المساس بحقوق الغير. فالنقد السياسي، حتى عندما يكون صادمًا أو غير مريح، يظل خطابًا محميًا قانونًا.ويجد هذا التوجّه سنده الدستوري في الفصل 55 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، الذي وإن أجاز تقييد الحقوق والحريات، فقد وضع لذلك شروطًا صارمة تتعلّق بالضرورة والتناسب واحترام جوهر الحق، بما يمنع تحويل القيود الاستثنائية إلى أدوات لإسكات الرأي المخالف أو الانتقام من الخصوم السياسيين. فالأصل هو الحرية، والاستثناء هو التقييد، ولا يُفهم هذا الاستثناء إلا في أضيق نطاقاته.

غير أنّ الإشكال الحقوقي لا يُطرح فقط عند لحظة الادّعاء بانتهاك الحق، بل يبرز أيضًا عند سوء استعمال حرية التعبير ذاتها. فالمعايير الحقوقية، وطنية كانت أو دولية، تميّز بوضوح بين النقد السياسي المحمي، ولو كان قاسيًا، وبين الخطاب التحريضي الذي يدعو إلى العنف أو الإقصاء أو يبرّر الاعتداء على الخصوم، وهو خطاب يخرج من دائرة الحماية ويدخل مجال المسؤولية القانونية.

في هذا السياق، يبرز التناقض في مواقف بعض الفاعلين السياسيين الذين يشتكون اليوم من المساس بحقهم في حرية التعبير، بينما كانوا في ممارسات سابقة يُسهمون في تقويض هذا الحق، عبر خطاب تحريضي، أحيانًا علني، صادر حتى من داخل فضاءات يفترض فيها احترام قواعد النقاش الديمقراطي، مثل قاعة البرلمان.

والنائب الذي روجت اخبار عن ايقافه، على سبيل المثال، لم تُجرِّم المنظومة القانونية النقد السياسي اللاذع الموجَّه من قبله، التزامًا بروح المرسوم 115 وحماية لحرية التعبير، لكنه في المقابل كان من بين من نفخوا في نار استباحة هذا الحق، عندما تحوّل خطابه من نقد إلى تحريض على الأشخاص والجماعات.

ومن الزاوية الحقوقية الصرفة، لا يجوز إسقاط الحقوق عن أي شخص بسبب خطابه أو سوابقه، ولا يمكن تبرير انتهاك حرية التعبير بدعوى “الردّ بالمثل” أو العقاب الأخلاقي. غير أنّ ذلك لا يمنع من تحميل المسؤولية السياسية والقانونية عن خطاب تحريضي ساهم في خلق مناخ عام معادٍ لحرية التعبير، ومهّد لانتهاكها عندما انقلبت الدائرة على أصحابها.

إن دولة القانون لا تقوم على منطق الانتقام، ولا على حماية انتقائية للحقوق، بل على قاعدة واضحة: حماية النقد السياسي، وتجريم التحريض، وضمان الحقوق للجميع دون ازدواجية. ومن يطالب اليوم بحماية حقه في التعبير، لا يمكنه التنصّل من مسؤوليته في احترام هذا الحق عندما كان موجّهًا ضد غيره، لأن الحقوق لا تُحمى بالخطاب الإقصائي، ولا تُصان حين تُقايَض بالعنف.

* قاضي.

شارك رأيك

Your email address will not be published.