“في مثل هذا اليوم، السادس من فيفري 2013، لم تُغتل شخصية سياسية فحسب، بل كُسِر شيء عميق في وجدان تونس. كان اغتيال شكري بلعيد صبيحة أربعاء بارد، صدمة بحجم وطن، ورسالة دم واضحة: أن الحلم الذي بدأ يوم 17 ديسمبر 2010 يمكن خنقه بالرصاص، وأن الثورة غير المكتملة يمكن إجهاضها باغتيال رموزها.
نزل خبر استشهاد شكري بلعيد كالصاعقة. خرج التونسيون بالملايين في جنازة لم تعرفها البلاد منذ الاستقلال، وارتجّت الساحات غضبًا وحدادًا. بدا وكأن الوطن بأسره يشيّع ابنه البار، المؤسس، المحذِّر، المشاكس الذي لم يساوم. ثم توالت الضربات: اغتيال محمد البراهمي، الإرهاب، استهداف الأمنيين والعسكريين، ومحاولات جرّ البلاد إلى حمامات دم، لولا يقظة المجتمع المدني وبعض مؤسسات الدولة.لم يكن شكري بلعيد ضحية صدفة. كان، كما وصفه لطفي العربي السنوسي، «كالجمر على طريق مخططاتهم». فضح مبكرًا فسادهم، عرّى أدبياتهم، وحذّر من عنفهم حين يُحاصرون. قالها بوضوح: سيمرّون إلى العنف. ولم يتعب من التحذير، حتى أُهدر دمه باسم الله، أمام بيته، وأمام بناته الصغيرات اللواتي كبرن اليوم وصرن يطالبن بحق الأب المغدور. اغتيل الجسد، لكن الصوت ظلّ يدوّي.بعد الاغتيال، تواصل وفاء التونسيين لشكري. وقفات، مطالبات بالحقيقة، عمل دؤوب لهيئة الدفاع. حُوكِمَ المنفذون، وبقي السؤال الأكبر معلقًا: من خطّط؟ من دبّر؟ من موّل؟ من قرّر تصفية خصم سياسي لإجهاض المسار الديمقراطي؟ سؤال ما يزال بلا جواب شافٍ.شكري، حيًّا وشهيدًا، أعطى زخمًا لليسار والقوى التقدمية. تجربة الجبهة الشعبية حققت نتائج معتبرة في 2014، وكأن دمه تحوّل إلى رصيد سياسي وأخلاقي. لكن سرعان ما حلّت اللعنة: تفكك، صراعات، حسابات ضيقة، اختلاف حتى في إحياء الذكرى. ضاع العقد الذي صاغه شكري والبراهمي، وانتهت التجربة في صورة مؤلمة.وهنا بيت القصيد: شكري حيّ… لكن ماذا عن رفاقه؟لقد صار البكاء على الأبطال بلا فائدة. نفس المشهدية، نفس الحزن، ثم نتفرّق. بكينا شكري، وبكينا جاد الهنشيري، الطبيب الذي قال «لا» في وجه العدم، وبكته أم العرائس وتونس كلها. لكن هل أنجبنا بعدهم جادًا آخر؟ أم ننتظر بطلًا جديدًا ليموت حتى نكتشفه، بعد أن يكون قد ترجل وحيدًا بعيدًا عن المستنقع؟خرجنا أكثر من مليون وراء نعش شكري بلعيد، ثم تفرّقنا، تشاتمنا، تقاسمنا، وخسرنا القضية. لم تجمعنا وصية شكري، ولا جاد، ولا ريم، ولا أحلام بالحاج، ولا الصغير أولاد أحمد، ولا جلبار نقاش. لم توحّدنا الدموع، ولا الحرية، ولا الكرامة. كأننا نسير في ركب القطيع: نبكي الأبطال بعدما نتخلى عنهم وهم أحياء، يرفعون سقف المطالب عاليًا.هذه الذكرى ليست للبكاء على الأطلال، ولا لعبادة الأشخاص. شكري بلعيد لم يكن صنمًا، بل قامة وطنية، امتدادًا لتاريخ طويل من المناضلين: علي البلهوان، محمد علي الحامي، فرحات حشاد، وأصوات الشعر والوجدان. ترك لنا إرثًا سياسيًا وقيميًا قد نختلف حوله، لكنه يظل إسهامًا حقيقيًا في معركة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.في الذكرى الثالثة عشرة، الحقيقة وحدها لا تكفي لشفاء الغليل، وإن كانت ضرورية. الشفاء الحقيقي في الوفاء: في البناء على الدروس، في تجاوز الأخطاء، في تحويل الشهداء من صور وشعارات إلى بوصلة فعل.
شكري حيّ فينا… لكن السؤال القاسي الذي تفرضه الذكرى:
هل نحن أوفياء له؟ أم أننا، نحن الرفاق، من نقض العهد؟”



شارك رأيك