قراءة المهندس البيئي حمدي حشاد للأمطار العنيفة بجنوب اسبانيا وما جاورها و امكانية امتدادها شرقا
“تُظهر الصورة بوضوح مدى العنف الاستثنائي للتساقطات المطرية التي رافقت العاصفة مارتا فوق شبه الجزيرة الإيبيرية، خاصة بمنطقة غرازاليما جنوب إسبانيا، حيث تجاوزت كميات الأمطار 500+ مم في 24 ساعة على امتداد يوم السبت ، وهو رقم نادر حتى في المناطق المعروفة تاريخيًا بغزارة أمطارها. هذه الكتل الماطرة الكثيفة ليست حدثًا معزولًا، بل جزء من منخفض جوي عميق وواسع النطاق امتد تأثيره من البرتغال مرورًا بإسبانيا وصولًا إلى غرب البحر الأبيض المتوسط.
“الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في قوة العاصفة مارتا بحد ذاتها، بل في تزامنها مع وضعية هيدرولوجية هشّة سبقتها، حيث لم يكد شمال المغرب يتعافى من آثار العاصفة ليوناردو التي رفعت منسوب الأودية، وأشبعت التربة إلى أقصى طاقتها على الامتصاص. هذا التشبع يجعل أي تساقطات إضافية، حتى وإن بدت متوسطة على الورق، قادرة على التحول سريعًا إلى سيول جارفة وفيضانات مفاجئة، خاصة في مناطق البوغاز، حوض اللوكوس، والسواحل الشمالية.
“تعطّل الملاحة البحرية في مضيق جبل طارق لعدة أيام متتالية بين طريفة وطنجة ليس تفصيلًا ثانويًا، بل مؤشر واضح على شدة الاضطراب الجوي والبحري، وعلى هشاشة سلاسل النقل والاتصال في مواجهة تكرار هذه الظواهر زيد الي الخسائر المسجلة في الزراعة والغابات بإسبانيا والبرتغال، والتي تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، تعكس بوضوح الكلفة الاقتصادية المباشرة للتغيرات المناخية المتسارعة في حوض المتوسط.
أما بالنسبة لتونس، فرغم أن مركز العاصفة مارتا يتركز شمال غرب الحوض، فإن الرسالة واضحة نفس المنظومة الجوية التي تضرب اليوم إسبانيا والمغرب هي ذاتها التي قد تمتد شرقًا خلال الأسابيع القادمة، خاصة مع بحر دافئ بشكل غير اعتيادي واضطرابات جوية أكثر تكرارًا و زيد التجارب الأخيرة في الشمال والساحل التونسي أثبتت أن تشبع التربة، وامتلاء السدود، وارتفاع منسوب الأودية يمكن أن يحوّل أي منخفض عادي إلى وضعية حرجة.
“ما يحدث اليوم بين إسبانيا والمغرب هو تذكير قوي بأن شمال إفريقيا والضفة الجنوبية للمتوسط لم تعد على هامش المخاطر المناخية، بل في قلبها و زيد على هذا العواصف لم تعد استثنائية في الحدوث فقط، بل في الشدة والتكرار، وهو ما يفرض الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق، عبر أنظمة إنذار مبكر، تخطيط عمراني مرن، وحماية أفضل للمناطق الهشة، سواء في المغرب أو تونس”.
*حمدي حشاد



شارك رأيك