لماذا يجب أن يغادر أحمد صواب سجنه؟

*بقلم فاهم بوكدوس

يمثل المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب يوم 12 فيفري الجاري أمام محكمة الاستئناف بتونس، في أول جلسة استئنافية بعد الحكم الابتدائي القاضي بسجنه خمس سنوات مع إخضاعه للمراقبة الإدارية. غير أنّ هذا الموعد القضائي لا يختزل في كونه محطة إجرائية عادية، بل أصبح لحظة فاصلة تختبر فيها العدالة التونسية قدرتها على تصحيح المسار، واستعادة الثقة، والوفاء بالتزامات الدولة الدستورية والدولية في مجال حقوق الإنسان.

لقد تحوّلت قضية أحمد صواب إلى قضية رأي عام، لأنها لم تعد تتعلّق بمصير فرد فحسب، بل بمكانة القانون ذاته: هل يظل أداة لحماية الحقوق أم يتحوّل، في لحظات التوتر السياسي، إلى وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة؟ وهل تحترم الدولة التزاماتها الدولية حين يتعلق الأمر بحرية التعبير، والمحاكمة العادلة، والحق في الحياة؟

يأتي هذا الاستحقاق القضائي في سياق بالغ الحساسية، يتقاطع فيه مسار قضائي مثقل بالاعتراضات مع وضع صحي خطير يعيشه أحمد صواب داخل سجن المرناقية، ومع شعور متنامٍ بأن القضية تجاوزت بعدها الإجرائي لتلامس جوهر العلاقة بين السلطة والقانون، وبين الدولة وكرامة الإنسان.

أولًا: تاريخ مهني يشهد لروح القانون لا ضدها:

أحمد صواب ليس متهمًا عاديًا يمكن عزله عن تاريخه وسياقه. هو قاضٍ إداري سابق ومحامٍ كرّس عقودًا من حياته للدفاع عن سيادة القانون، وعن رقابة القضاء على أعمال السلطة، وعن ضمانات المحاكمة العادلة. هذا المسار المهني الطويل لا يمثّل مجرد سيرة ذاتية، بل يشكّل قرينة أخلاقية وقانونية على انحيازه الدائم لروح القانون لا لخرقه.
فمن غير المعقول، بل من غير العادل، أن يتحوّل رجل أمضى حياته في الدفاع عن الشرعية إلى متهم بتهديدها، فقط لأنه مارس حقه وواجبه في النقد القانوني.
إن التصريحات التي بُني عليها التتبّع جاءت في إطار أداء مهني، وفي سياق علني وتعلّقت بنقد إجراءات ومحاكمات، وهو حق مكفول ليس فقط بالدستور، بل أيضًا بالمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن حرية التعبير، خاصة حين تتعلّق بالشأن العام وإدارة العدالة.
إن معاقبة محامٍ بسبب رأي مهني نقدي لا تمسّ شخصه وحده، بل تضرب وظيفة الدفاع في الصميم، وتتناقض مع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، التي تنص صراحة على ضرورة تمكين المحامين من أداء مهامهم دون ترهيب أو ملاحقة أو تدخل غير مشروع.

ثانيًا: مسار مدني سلمي يناقض منطق الاتهام والتجريم:

عُرف أحمد صواب، على امتداد مسيرته السياسية والفكرية، بقناعاته المدنية الواضحة، وبإيمانه العميق بالتغيير الديمقراطي السلمي، وبالدفاع عن الحقوق والحريات عبر الوسائل القانونية والمؤسساتية. لم يُعرف عنه يومًا تبرير للعنف أو دعوة إليه، ولم يرتبط اسمه بأي تنظيم أو مشروع متطرّف.
فكيف يمكن، منطقيًا وقانونيًا، إلصاق تهم ذات طبيعة إرهابية أو أمنية بشخص هذا تاريخه؟
إن هذا التوصيف لا يصمد أمام الوقائع، ولا أمام السيرة الشخصية للرجل، ويشكّل خرقًا لمبدأ التناسب في التجريم والعقاب، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
فحين يُوسَّع مفهوم “الخطر” ليشمل الرأي، ويُخلط بين النقد والتهديد، تُفرغ مفاهيم الأمن والإرهاب من معناها الحقيقي، وتتحوّل إلى أدوات سياسية. وهذا المسار لا يحمي الدولة، بل يضعفها، لأنه يقوّض الثقة في مؤسساتها، ويجعل القانون مصدر خوف بدل أن يكون مصدر أمان.

ثالثًا: الحق في الحياة والصحة فوق كل اعتبار:

وراء هذا الجدل القانوني والسياسي، هناك إنسان يواجه خطرًا حقيقيًا على حياته. أحمد صواب رجل في السبعين من عمره، يعاني من أمراض مزمنة، وتعرّض داخل السجن لنوبات نزيف متكرّرة وخطيرة، إحداها أدّت إلى فقدان الوعي.
هذه المعطيات ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات خطيرة تفرض على الدولة واجب الحماية الفورية.
إن الحق في الحياة، المكرّس في المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا يسقط بالسجن، ولا يُعلّق بقرار قضائي. كما أن قواعد نيلسون مانديلا (القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء) تنص بوضوح على حق السجين في رعاية صحية مكافئة لتلك المتاحة خارج السجن، وتحت إشراف طبي مستقل.
إن الإبقاء على أحمد صواب داخل السجن، رغم خطورة وضعه الصحي، ومع غياب متابعة طبية مستقلة ودقيقة، يطرح سؤالًا أخلاقيًا مؤلمًا:
هل تتحوّل العقوبة إلى مساس بالجسد؟ وهل يُعاقَب الإنسان بمرضه؟
أي تدهور صحي خطير قد يصيبه في هذه الظروف لا يمكن اعتباره حادثًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لقرار بالإبقاء عليه في وضع لا يليق بكرامة الإنسان ولا بالتزامات الدولة الدولية.

رابعًا:عقاب دون حماية مُقرّرة: لماذا تنتفي التهمة في ملف أحمد صواب:

لم تكن محاكمة أحمد صواب مجرّد واقعة قضائية عابرة، بل مثّلت لحظة كاشفة لمسار أعمق شهدته تونس منذ تصاعد التهديد الإرهابي بعد الثورة، حيث تداخل منطق الاستثناء الأمني مع منطق العدالة، إلى حدّ أصبح فيه تطبيق القانون نفسه موضع ارتباك. ففي سياق وطني اتسم بضعف الأجهزة الأمنية، وتعقّد الجوار الإقليمي، وعودة العناصر الجهادية من بؤر التوتر، أُعيد تشكيل المنظومة التشريعية والقضائية تحت ضغط الخوف والاستعجال، وهو ما انعكس مباشرة على قوانين مكافحة الإرهاب وأساليب تفعيلها.

وقد عرف التشريع التونسي في هذا المجال انتقالًا من قضاء شبه متخصص بموجب القانون عدد 75 لسنة 2003، إلى قضاء متخصص بالكامل مع صدور القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015، الذي أحدث القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، ووسّع آليات الحماية لتشمل القضاة والشهود وممثلي النيابة. غير أن هذا التطور، رغم ما يوحي به من تحديث، رافقه انزلاق خطير تمثل في التعامل مع آليات الحماية بوصفها امتيازًا آليًا ملازمًا للوظيفة، لا إجراءً استثنائيًا مشروطًا بوجود خطر مُلم أو حقيقي كما نصّ عليه المشرّع صراحة.

في هذا الإطار، وجّهت السلطة القضائية إلى أحمد صواب تهمًا جزائية تتعلق بـ كشف معطيات مشمولة بإجراءات الحماية،
استنادًا إلى الفصل 78 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015. وهذا الفصل، في جوهره، لا يجرّم الكشف في المطلق، بل يعاقب على الكشف عن هوية أو معطيات أشخاص سبق أن تقرر قانونًا إخضاعهم لإجراءات حماية بسبب خطر يهدد سلامتهم. أي أن قيام الجريمة يفترض سلفًا وجود قرار رسمي ومعلّل باتخاذ تلك الإجراءات، وفق الشروط التي حدّدها الفصل 73 من نفس القانون.
غير أن ما يثير الإشكال الجوهري في ملف أحمد صواب هو أن هذا الشرط الجوهري لم يتحقق. فلم يثبت صدور أي قرار بحماية رئيس الدائرة الجنائية المعنية، ولا تمّ إثبات وجود خطر مُلم أو استثنائي يبرر إخفاء هويته أو اتخاذ تدابير خاصة لفائدته. ورغم ذلك، تمّ التعامل مع الحماية وكأنها قائمة بحكم الانتماء إلى القطب القضائي، وتمّ بناء التتبعات على افتراض ضمني لا سند له في النص.
وبذلك، نجد أنفسنا أمام مفارقة قانونية خطيرة: معاقبة فعل على أساس نص عقابي، في حين أن الركن القانوني للجريمة غير متوفر أصلًا. فلا يمكن الحديث عن “كشف معطيات مشمولة بالحماية” ما لم تكن الحماية قد فُعلت بقرار سابق، ولا عقاب على كشف لم يسبقه قرار بالإخفاء. وهو ما يشكل خرقًا صريحًا لمبدأ الشرعية الجزائية، الذي يقتضي أن تكون الجريمة محددة بدقة، ومقترنة بشروط واضحة ومتحققة واقعًا.

إن محاكمة أحمد صواب، في هذا المعنى، تتجاوز شخصه لتكشف عن تحوّل مقلق في وظيفة آليات الحماية، من وسائل استثنائية وُضعت لضمان سير العدالة في ظروف خطرة، إلى أدوات يمكن توظيفها خارج شروطها لتقييد النقاش أو معاقبة ممارسات قانونية مشروعة. فبدل أن تبقى هذه الآليات خاضعة لضوابط دقيقة، يتم توسيعها تأويليًا بما يفرغ النص من روحه، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة.
وعليه، لا تبدو هذه المحاكمة اختبارًا لأحمد صواب بقدر ما هي اختبار لمنظومة العدالة نفسها، ولمدى قدرتها على الالتزام بالقانون الذي سنّته، خاصة في أكثر القضايا حساسية. فإذا كانت مكافحة الإرهاب ضرورة لا جدال فيها، فإن إخضاع العدالة لمنطق الافتراض والتوسع في التجريم لا يمكن إلا أن يؤدي إلى نتيجة واحدة: إضعاف الثقة في القضاء، وتحويل معركة حماية الدولة إلى معركة ضد مبادئ دولة القانون. وفي هذا السياق بالذات، تبرز محاكمة أحمد صواب بوصفها هزيمة للعدالة أكثر منها انتصارًا للأمن.

حين نجمع كل هذه العناصر:
تاريخ مهني طويل في خدمة القانون،
مسار مدني سلمي يتناقض مع منطق الشيطنة،
وضع صحي يهدّد الحق في الحياة،
ومحاكمة مبنية على اساس شديد الهشاشة،
تصبح النتيجة واضحة وبسيطة، رغم قسوتها: استمرار سجن أحمد صواب لا يمكن تبريره لا بالقانون، ولا بالأخلاق، ولا بالإنسانية.
إن الإفراج عنه ليس امتيازًا، ولا رضوخًا لضغط، بل فعل عدالة ومسؤولية.
هو لحظة إنصاف لإنسان أنهكه السجن والمرض، ورسالة طمأنة لمجتمع يتساءل إن كان القانون لا يزال يحمي أبناءه.
وهو قبل ذلك كله امتحان لضمير الدولة: هل تختار حماية الحياة، أم تترك الزمن والمرض يقومان بما لا يجرؤ القانون على قوله صراحة؟
حرية أحمد صواب اليوم ليست دفاعًا عن شخص واحد، بل دفاع عن كرامة الإنسان، وعن مصداقية العدالة، وعن معنى أن تكون الدولة وفية لتعهداتها أمام شعبها وأمام العالم.

* ف.ب

شارك رأيك

Your email address will not be published.