الد. عبد السلام شقير يكتب عن جريمة المنستير

هذه الجريمة البشعة التي وقعت يوم الاثنين 9 فيفري 2026 داخل معهد بورقيبة بالمنستير، والتي أودت بحياة التلميذ ياسين ابن محمد علي عبد الحق (تلميذ السنة الأولى ثانوي)، وأصابت تلميذاً آخر أثناء محاولته الدفاع عنه، ليست مجرد “حادثة” فردية أو “خلاف عابر” كما يحاول البعض تصوير مثل هذه الأحداث. إنها تعبير دامٍ عن انهيار منظومة قيم وسلطة رمزية داخل المدرسة التونسية، وفشل تراكمي متعدد الأبعاد.


أولاً: العنف المدرسي لم يعد “ظاهرة” بل بات وباءً اجتماعياً
الأرقام صادمة وموثقة: دراسة وطنية أعدها اليونيسف بالتعاون مع وزارة التربية (امتدت بين 2023 و2025) أظهرت أن 28.4% من التلاميذ تعرضوا لعنف جسدي مرة واحدة على الأقل، منهم 15.9% تعرضوا له أكثر من مرة. النسبة ترتفع بين الذكور، وتصل في بعض الجهات (أريانة، القصرين، الكاف، قابس) إلى أكثر من تلميذ من بين كل ثلاثة. نحو 40% من هذا العنف يصدر عن التلاميذ أنفسهم. هذه الأرقام ليست جديدة؛ إحصائيات سابقة (2022–2024) كانت تشير إلى ارتفاع بنسبة 19% في الحالات، وتونس كانت تحتل مراتب متقدمة عالمياً في انتشار العنف المدرسي.
الطعن بالسكين داخل ساحة المعهد – وليس في الشارع أو في حي شعبي – ليس “انحرافاً فردياً”، بل هو قمة جبل الجليد. الجاني قاصر، استعان بقريب له، مما يشير إلى تطبيع حمل السلاح الأبيض بين فئة مراهقة، وإلى غياب أي ردع فعلي.
ثانياً: المدرسة فقدت هيبتها ودورها التربوي
المدرسة التونسية تحولت تدريجياً من فضاء للتربية والتنشئة إلى ساحة صراع مصغرة تعكس انهيار المجتمع الأوسع:
تفكك السلطة الرمزية للأستاذ والإدارة: لا أحد يخاف العقاب، لا التلاميذ ولا أولياء الأمور.
ضعف الإشراف والوقاية: كيف يدخل سكين حاد إلى فضاء مدرسي دون اكتشاف؟ كيف تتطور مشاجرة إلى طعن قاتل داخل المعهد؟
غياب برامج التربية على حل النزاعات والذكاء العاطفي والتعامل مع الغضب. البرامج موجودة على الورق فقط.
تأثير الفقر والبطالة واليأس: في جهات مثل المنستير (رغم أنها ليست الأكثر فقراً) يعاني الكثير من الشباب من انعدام آفاق، مما يجعل العنف مخرجاً للتنفيس أو لفرض الاحترام.
ثالثاً: المسؤولية مشتركة ومتعددة الطبقات
الدولة والوزارة: خطط وطنية معلنة، لكن التنفيذ ضعيف. لا مراقبة جدية، لا تكوين مستمر للإطارات التربوية، لا تعاون حقيقي مع الأمن والقضاء لمعالجة الحالات الخطرة مبكراً.
المجتمع وأولياء الأمور: جزء كبير يرفض الاعتراف بمسؤوليته، يدافع عن “ولده” حتى لو كان مخطئاً، ويرفض التبليغ عن سلوكيات خطرة.
الإعلام والخطاب العام: يركز على “الحزن” والدعاء فقط، دون نقد بنيوي أو محاسبة.
القضاء: حتى مع إيقاف المتهمين، القاصرون غالباً يعاملون برفق شديد، مما يعزز الإحساس بالإفلات من العقاب.
رابعاً: ما العمل؟
لا تكفي الشجب والدعاء. المطلوب:
تفعيل بوابات أمنية حقيقية وكاميرات مراقبة في كل المعاهد.
برنامج وطني إجباري لتعليم إدارة الغضب وحل النزاعات من الابتدائي.
عقوبات رادعة (حتى للقاصرين) مع برامج إعادة تأهيل حقيقية.
مساءلة الإدارات المدرسية عند تكرار الحوادث.
نقاش مجتمعي صريح عن انتشار السلاح الأبيض بين المراهقين وأسبابه الاجتماعية العميقة.
رحم الله ياسين، وألهم أهله الصبر، وشفى الجريح. لكن الدعاء وحده لن يحمي أولادنا بعد اليوم. هذه الجريمة ليست “فضيحة” عابرة، بل إنذار أخير قبل أن تصبح المدرسة مكاناً يخشاه الجميع بدل أن يكون ملاذاً للعلم والأمان..

*عبد السلام شقير

11 فيفري 2026

شارك رأيك

Your email address will not be published.