*بقلم فاهم بوكدوس
لم تعرف تونس في السابق صراعًا وجوديًّا مثل الذي عرفته منذ استفحال الحالة الإرهابية على أرضها مباشرة بعد الثورة، ليس فقط لتشعّب الظاهرة وعمقها الإقليمي والدولي وقدرتها على التكيّف والتغيّر والتطوّر في جميع الظروف والمناخات، بل لأن كل تلك العناصر مجتمعة توفّرت في ظاهرة تملك مقومات ذاتية للتطوّر، بعد أن راكمت، على مدى عقود، مرونة مذهلة في صياغة التكتيكات والاستراتيجيات المناسبة لكل ظرف.
لكن البعد الوجودي لمعركة تونس ضد الإرهاب يزداد عمقًا لضعف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، ممّا حوّلها إلى أرض رخوة قابلة للاستهداف المكثّف، وكذلك لواقع الجوار الليبي الذي تحوّل إلى دار ضيافة، بالمفهوم الأفغاني، بوصفه حاضنًا لمعسكرات تدريب الإرهابيين التونسيين.
ولذلك اضطرّ أصحاب القرار السياسي، تحت ضغط العمليات الإرهابية والأجهزة الأمنية معًا، إلى مراجعة الطموحات الوطنية في مجال مكافحة الإرهاب، بالنزول بها إلى الأدنى القابل للتحقّق، فبعد أن كان الخطاب الرسمي يجنح إلى التصريح بضرورة اجتثاث الإرهاب، أعاد توجيه بوصلته نحو الحدّ منه وإيقاف تمدّده نحو المدن.
ولا تخلو الحالة الإرهابية التونسية من خصوصية، سواء في مجال قوانين الإرهاب أو على مستوى الأجهزة المكلّفة بمكافحته، والتي صاحب نشأتها تشوّهات هيكلية ووظيفية سمحت بتعدّد جبهات اختراقها، وأيضًا لخصوصية النشأة، إذ بعد أن أقامت تحت السماوات القريبة والبعيدة، عادت الفلول الإرهابية التونسية وبدأت في كتابة سيرتها ضمن تنظيماتها الخاصة على أرض تونس.
لكن ما دخل القاضي والمحامي أحمد صواب في ماضي الحركة الإرهابية ومآلاتها اللاحقة؟
إن القوانين التي حوكم بها أحمد صواب لها تاريخ خاص، لا بدّ من الغوص فيه للوقوف على انحراف السلطة القضائية بالنصّ الخاص الوارد في القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرّخ في 7 أوت 2015.
لقد تحوّل الإرهاب منذ أواخر الثمانينيات إلى ظاهرة دائمة ملازمة للمجتمعات ذات غشاء عقائدي. ورغم عدم الاتفاق على تعريفها أو تصنيفها، فإنه يمكن التسليم منذ البداية بأنها مشروع فردي أو جماعي يستهدف، بحكم طبيعته أو في سياقه، بثّ الرعب بين السكان أو حمل دولة أو منظمة دولية على فعل أو ترك أمر من علائقهما[1].
وقد عرفت قوانين الإرهاب في تونس مرحلتين، إذ انتقلت من قضاء شبه متخصّص إلى قضاء متخصّص بالكامل.
الإرهاب في قضاء شبه متخصّص:
لقد عرف مسار تجريم الظاهرة الإرهابية أطوارًا متعدّدة، إذ تمّ اعتبارها في البداية جريمة عادية في إطار الحق العام[2]، ثم تطوّرت التشريعات انطلاقًا من سنّ القانون عدد 75 لسنة 2003 باتجاه الاعتراف بخصوصية الجرائم الإرهابية، دون أن تتحوّل بالكامل إلى قضاء متخصّص ومستقل، وهو ما سمح لاحقًا باستغلال النصّ التشريعي لتوسيع دائرة التجريم والعقاب، الذي طال عددًا كبيرًا من المعتقلين تحت رايته[3].
كما أدخل هذا القانون، لأوّل مرة في منظومة التشريع التونسي، جريمة الإشادة بالإرهاب[4]، وهو مصطلح غامض وغير محدّد، تمّ استعماله في حالات كثيرة للتضييق على حرية التعبير.
ولأن هذا القانون، كما جاء في عنوانه، تمّ سنّه من أجل معاضدة المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب في إطار التزامات تونس الدولية[5]، فقد ألغى ظاهريًّا عقوبة الإعدام[6]، إلا أنه ترك في الحقيقة نافذة صغيرة تخفى على عين المراقب الدولي لتطبيق تلك العقوبة عند الاقتضاء[7]، وهو ما تمّ فعليًّا عندما قضت المحكمة بإعدام صابر الراقوبي في القضية المعروفة بقضية سليمان[8].
ومن أهم ما يمكن ملاحظته في القانون عدد 75 لسنة 2003 أنه حصر نظر المحاكم في محكمة تونس العاصمة كلّما تعلّق الأمر بجريمة إرهابية، وهو بذلك قد خطا خطوة مهمّة في اتجاه قضاء متخصّص ومستقل، إلا أن الإجراءات المطبّقة عند التحقيق والمحاكمة ظلّت، في أغلبها، إجراءات الحق العام[9].
ومع ذلك، يمكن اعتبار أن القانون عدد 75 لسنة 2003 قد أدخل على مضمون المحاكمة عدّة آليات غير مسبوقة في المحاكم، ومنها ما يُطلق عليه نظام الحماية للشهود والقضاة وأعضاء النيابة العمومية المكلّفين بمكافحة الإرهاب، وهي منظومة تهدف خاصّة إلى حماية الشهود عند الإدلاء بالشهادة.
نظام الحماية:
نظام الحماية هو جملة من الإجراءات تهدف إلى إخفاء الهوية، ويُعتبر كشفها جريمة موجبة للتتبّع، ومن بين إجراءاتها:
نظام أداء الشهادة في إطار سرية الهوية:
إذ صار من الممكن تلقّي تصريحات الشاهد دون تدوين اسمه بالمحاضر، ودون إجرائه للمكافحة مع المتهم، وذلك لحمايته من الاستهداف والانتقام[10]. وقد تمّ تطبيق هذه الآلية في العديد من القضايا الإرهابية[11]. ورغم الاعتراضات المتعلّقة أساسًا بشروط المحاكمة العادلة وحقّ المتهم في معرفة الشاهد والتجريح فيه عند الاقتضاء، فإن المشرّع التونسي أعاد التأكيد عليها في القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015، مع إحاطتها ببعض الضمانات[12].
محاكم بقضاة ملثّمين:
اختار المشرّع في القانون عدد 75 لسنة 2003 نظام الحماية المشدّدة على القضاة المكلّفين بالقضايا الإرهابية، من خلال إمكانية إصدار أحكام لا تحمل أسماء من أصدرها في طالعها، ولا هوية ممثل النيابة العمومية الذي كان حاضرًا، ولا كاتب الجلسة، ولا مكان انعقاد المحاكمة نفسه[13]. بل يمكن للقضاة، في الظروف الاستثنائية، إخفاء وجوههم وإدارة الجلسة بوجوه ملثّمة[14].
وقد حافظ القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 على تلك المنظومة، خاصّة من خلال إخفاء هوية الهيئة القضائية عند إصدار الأحكام، وهي حالة لم يلجأ إليها القضاء التونسي مطلقًا.
تجمّع في السجون التونسية في تلك الفترة، بين 2004 و2010، لأوّل مرة، أغلب إرهابيي السماوات القريبة والبعيدة الذين أعادتهم المنافي إلى السجون التونسية، بعد أن تمّ تسليمهم من طرف العديد من الدول.
داخل سجن 9 أفريل بتونس العاصمة، ثم لاحقًا بسجن المرناقية، وجد الإرهابيون التونسيون أخيرًا متّسعًا من الوقت للتفكير والحوار والتأسيس لحركة إرهابية تونسية لحمًا ودمًا[15]، سرعان ما ستظهر نتائجها في المراحل المبكّرة بعد سقوط نظام بن علي[16].
عقب الثورة، ومع اتّساع رقعة العمليات الإرهابية التي انطلقت في 16 ماي 2011، أُصيبت الذهنية القانونية بحالة ارتباك شديدة؛ فمن جهة، تمّ اعتبار القانون عدد 75 لسنة 2003 قانونًا غير دستوري ولا يضمن شروط المحاكمة العادلة ويتضمّن هضمًا لحقوق المتهمين، وتمّ إطلاق سراح جميع الموقوفين بموجبه في إطار العفو التشريعي العام[17]، ومن جهة ثانية تمّ اعتماده لمحاكمة المتهمين بجميع العمليات الإرهابية التي تمت بعد الثورة إلى حدود 7 أوت 2015، تاريخ صدور القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015.
بعد نقاش لم يتجاوز ثلاثة أيام، صادق مجلس نواب الشعب في تونس ليس فقط على توسيع التجريم والعقاب، بل أيضًا على تشديد الأساليب والوسائل التي تحدّ من الحرية، مُحدثًا لأوّل مرة في تاريخ التشريع التونسي قضاءً متخصّصًا في الجرائم الإرهابية. وسوف نكتفي بالتعرّض إلى آليات الحماية وعلاقتها بملف أحمد صواب.
آليات الحماية في القضاء المتخصّص بمكافحة الإرهاب وتجاوز شروطها في ملف أحمد صواب:
لخطورة الدور الموكول للأجهزة المكلّفة بمكافحة الإرهاب، فرض القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 اتخاذ آليات خاصة للحماية. غير أن السؤال المطروح في هذا المستوى من التحليل هو التالي: هل إن الحماية بالنسبة للقضاة آلية تشملهم بمجرد اختيارهم للعمل بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وتصبح تبعًا لذلك امتيازًا قانونيًّا على زملائهم من نفس الدرجة والأقدمية، أم أنها حماية مثارة تسبقها إجراءات ضرورية ملازمة لها؟
حماية آلية أم حماية مثارة[18]؟
سيتكفّل الفصل 73 من القانون الأساسي عدد 26 بالإجابة عن هذا السؤال، فقد كان المشرّع صريحًا حين اقتضى إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية في حالات الخطر الملمّ، مع ضرورة ضمان حقّ المتهم في الدفاع عن نفسه.
كما نصّ الفصل المتقدّم على التمييز بين الإجراءات المتخذة لحماية القضاة في حالة الخطر الملمّ، وحالة الحالات الاستثنائية عند وجود خطر حقيقي ملموس، ممّا يعني أن الحماية يجب أن تكون مثارة بحسب الحالة التي تكون عليها وضعية القضاة المطلوب حمايتهم، وأنها لا تشمل غيرهم من القضاة العاملين في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وهو ما يؤكّد أنها حماية مثارة وليست حماية آلية.
وبالعودة إلى ملف أحمد صواب، فإن رئيس الدائرة الجنائية بالقطب القضائي لم يكن مشمولًا بإجراءات الحماية عند النظر في ملف التآمر، وبالتالي لم يكن تطبيق عقوبة الفصل 78 من القانون الأساسي عدد 26 موفّقًا في شأنه، إذ إن تلك العقوبة مقرّرة للكشف عن المعطيات المتعلّقة بالأشخاص الذين تمّ في شأنهم اتخاذ قرار بحمايتهم بعد تحديد حالة الخطر الملمّ.
فلا يمكن معاقبة أحمد صواب في جرائم كشف الحماية ما لم يُتخذ قرار في الإخفاء، فلا عقاب على الكشف طالما لم يكن هناك قرار في الإخفاء
الإحالات :
[1] تعريف ورد بالفصل 13 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرّخ في 7 أوت 2015، المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
[2] كانت الجريمة الإرهابية منظَّمة في المجلة الجزائية بالفصل 52 مكرّر، الذي أُدرج فيها بموجب القانون عدد 112 المؤرّخ في 22 نوفمبر 1993، ثم أُلغي لاحقًا بالقانون عدد 75 لسنة 2003.
[3] تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 2 نوفمبر 2007، بمناسبة الذكرى العشرين لتولّي الرئيس التونسي مقاليد السلطة، وارد بالصفحة الرسمية للمنظمة.
[4] تمّ التنصيص عليها لأوّل مرة في الفصل 12 من القانون عدد 75 لسنة 2003 المتعلّق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
[5] وهو ما ورد بعنوان القانون نفسه عند نشره بالرائد الرسمي بعد مصادقة مجلس النواب عليه.
[6] إذ نصّ الفصلان 7 و9 منه على أن العقوبة القصوى في الجرائم الإرهابية هي السجن المؤبّد.
[7] غير أنه أحال على إمكانية تطبيق أحكام المجلة الجزائية في الجرائم الإرهابية، وهو ما سمح لاحقًا بإصدار أحكام بالإعدام، كما هو الحال في قضية سليمان.
[8] جدّت وقائع قضية سليمان خلال شهر ديسمبر 2006، عندما تسلّلت مجموعة إرهابية تونسية إلى منطقة جبلية جنوب العاصمة التونسية، واشتَبكت مع قوات الأمن التي تمكّنت من السيطرة عليها سريعًا.
[9] تمّ الرجوع إلى الإجراءات الجزائية العادية عند البحث والتحقيق في الجرائم الإرهابية، ولم يتم تخصيص قضاة تحقيق أو دوائر جنائية بعينها للبتّ في هذه القضايا.
[10] تمّ التنصيص على منظومة حماية الشهود بالفصول 48 إلى 54 من القانون عدد 75 لسنة 2003، بهدف إخفاء هويتهم.
[11] استُعملت هذه الآلية لحماية الشهود في ملف الشهيد محمد البراهمي، الذي تمّ اغتياله في 25 جويلية 2013، وذلك لحماية هوية الأمنيين الذين أدلوا بشهادات تُدين مديرين متنفّذين بوزارة الداخلية.
[12] خاصّة حقّ المتهم في معرفة هوية الشاهد، وعند رفض حاكم التحقيق تمكينه من ذلك، أُقرّ له حقّ استئناف قرار رفض الكشف عن هوية الشاهد. وقد ورد هذا الحقّ بالفصل 76 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015.
[13] اقتضى الفصل 48 من القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرّخ في 10 ديسمبر 2003 اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية كل من أوكل لهم القانون مهمة معاينة الجرائم وزجرها، من قضاة ومأموري ضابطة عدلية وأعوان سلطة عمومية. وتشمل تدابير الحماية أيضًا مساعدي القضاء والمتضرّرين والشهود، وكل من تكفّل، بأي وجه من الوجوه، بواجب إشعار السلط ذات النظر بالجريمة. كما تنسحب هذه التدابير، عند الاقتضاء، على أفراد أسر الأشخاص المشار إليهم، وكل من يُخشى استهدافه من أقاربهم.
[14] اقتضى الفصل 49 من القانون عدد 75 لسنة 2003 ما يلي:
«يمكن لقاضي التحقيق أو لرئيس المحكمة، حسب الأحوال، وفي حالات الخطر الملمّ، وإن اقتضت الضرورة ذلك، إجراء أعمال البحث أو الإذن بانعقاد الجلسات بغير مكانها المعتاد، مع اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حقّ المتهم في الدفاع عن نفسه».
[15] حكم جنائي ابتدائي عدد 28654 صادر عن الدائرة الجنائية الخامسة التابعة للقطب القضائي لمكافحة الإرهاب بتاريخ 01/03/2016، تمت فيه محاكمة 73 قياديًا من تنظيم أنصار الشريعة في جريمة اغتيال الوكيل الأوّل في الحرس الوطني أنيس الجلاصي بتاريخ 10 ديسمبر 2012.
[16] الإعلان عن تأسيس كتيبة عقبة بن نافع بجبال الشعانبي خلال شهر مارس 2011، واكتشاف رسالة البيعة إلى أمير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي عبد المالك دروكدال، ضمن وثائق دائرة الاتهام عدد 91547 المؤرّخة في 06/03/2014.
[17] المرسوم عدد 1 لسنة 2011 المؤرّخ في 19 فيفري 2011، المتعلّق بالعفو العام.
[18] نصّ الفصل 71 من القانون الأساسي عدد 26 على ما يلي:
«تُتخذ التدابير الكفيلة بحماية كل من أوكل له القانون مهمة معاينة الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون وزجرها، من قضاة ومأموري ضابطة عدلية ومأموري الضابطة العدلية العسكرية وأعوان الديوانة وأعوان سلطة عمومية



شارك رأيك