تقرير تقاطع حول “المسار التصاعدي المهدد للقصر في الفضاء التعليمي بتونس”

مسار تصاعدي
تكشف الحوادث المتعاقبة في الوسط التعليمي التونسي في الآونة الأخيرة عن مسارٍ متدرّجٍ للعنف القائم على النوع الاجتماعي واستهداف القاصرين.ات؛ إذ لم يعد الفضاء الرقمي فضاءً موازياً للواقع، بل أصبح مختبراً لتوليد أنماط جديدة من العنف.

يبدأ هذا المسار غالباً بإساءة لفظية أو ابتزاز إلكتروني، لكنه لا يتوقف عند حدود العنف المنقول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل يتعمّق بفعل تقاطُع عوامل متشابكة يغذّيها المجتمع الذكوري الأبوي وما يفرزه من معايير و إنتظارات جندرية خانقة.

وتتفاعل هذه العناصر لتجعل من الإساءة الرقمية أكثر من مجرد كلمات، فتصبح آلية ضغط نفسي واجتماعي قادرة على رسم مستقبل الضحية والجاني.ة معاً. ففي الأيام الأولى من هذا الشهر تجلّى كيف يمكن للابتزاز الرقمي أن يتحوّل إلى تحرّش علني أمام المؤسسة التعليمية، حيث تداخلت منظومة المجتمع الذكوري مع مفاهيم الشرف والعفّة، ما جعل الضحية محاصَرة من جميع الجهات، لتنتهي حياتها في سنّ لم يكتمل فيها النضج والرشد.

أما مؤخراً، فقد انتقل العنف من الشاشة إلى الواقع، حيث استُبدلت الأداة الرقمية بآلة حادّة، وأسفر ذلك عن إصابات قاتلة ومستقبلٍ مدمّر للمعتدين أنفسهم. ويكشف هذا التدرّج من الإساءة الرقمية إلى الاعتداء الجسدي أن العنف السيبراني ليس ظاهرة منفصلة، بل هو فتيل يُولّد العنف الواقعي ويعمّقه، ويحوّل المؤسسات التربوية إلى ساحات لتصفية حسابات افتراضية.

إن هذه الأحداث تُظهر أن العنف لا يولد فجأة، بل يتغذّى على هشاشة البنية الاجتماعية والثقافية، ويتعمّق في ظل غياب آليات الحماية والردع. فالعنف الرقمي يفتح الباب أمام العنف الواقعي، والعكس صحيح، في حلقة مفرغة يصبح فيها الضحايا أكثر هشاشة والجناة أكثر جرأة. وأول ضحايا هذه الحلقة هم القاصرون.ات الذين واللواتي يسهل التسلّل إليهمنّ++ في ظل غياب حماية شاملة، والاكتفاء بحماية الهياكل بدل الأفراد.

إن هذه الحوادث لن تكون الأخيرة إن لم يقع التدخل العاجل، كما أنها تكشف عن هشاشة الحدود بين العالمين الرقمي والواقعي، وعن الحاجة الملحّة إلى إعادة تعريف مفهوم السلامة باعتباره وحدة متكاملة تشمل الحرمة الجسدية والرقمية معاً. أما التنديد المتكرر من قبل مكوّنات المجتمع المدني منذ سنوات، فلم يكن يوماً مبالغة، بل كان تحذيراً يستوجب الاستجابة ووضعه ضمن سلّم الأولويات.

شارك رأيك

Your email address will not be published.