الأزمات دليل على الحيوية و الحركة عكس السكون الذي يحمل بذور الركود و يسبق العواصف و لذلك فلا خوف على اتحاد الشغل مما يعيشه من تأزم و توتر و انقسام و ما يتعرض له من ضغط و مناورات و ذلك منذ سنوات.
سعيد بحيرة *

و قد سبق للاتحاد أن واجه أزمات كادت أن تعصف به لكنه كان في كل مرة يجد الطريق للخروج آمنا و بأقل الأضرار و يستعيد مكانته. و لم تكن تلك الأزمات متشابهة حتى و إن تخيل البعض ذلك. فهناك بون شاسع بين أزمات بداية الاستقلال و بين التوترات التي طرأت في ما بعد، و هناك فرق بين هذه الأخيرة و بين تقلبات ما بعد الثورة . كما وجب التفريق بين حقبة الدولة الوطنية و ما تعيشه تونس منذ سنة 2011.
و لعله من المفيد أن نذكر بأن الإتحاد العام التونسي للشغل هو منظمة نقابية تأسست في مرحلة استعمار البلاد و كان عليها الدفاع عن مصالح منظوريها المادية إلى جانب الانخراط في معركة التحرر الوطني و هي المهمة التي أنجزها الإتحاد بشجاعة و قدم في سبيلها الشهداء و في مقدمتهم الرئيس المؤسس الشهيد فرحات حشاد. و بذلك التحم الإتحاد بالحزب الدستوري الجديد الذي كان يقود المعركة التحريرية و له حضور كبير في صفوف القيادات النقابية كما كان الإتحاد الفصيل الأقوى في مؤتمر ليلة القدر سنة 1946.
اللقاء بين الإتحاد و الحكومة
و استمر اللقاء بين الحزب و الإتحاد بعد الاستقلال فتولت عناصر نقابية مراكز قيادية في الدولة الجديدة نذكر منهم أمينه العام أحمد بن صالح و مصطفى الفيلالي و محمود المسعدي و عبد الله فرحات و عزالدين العباسي و أحمد التليلي، بل أن الحكومة الأولى اعتمدت البرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي أعده الإتحاد في مؤتمره الرابع. و هكذا أصبحت المنظمة النقابية الوحيدة شريكا في الحكم حتى سنة 2011.
و لئن تغيرت أشكال هذه الشراكة في محطات هامة سنة 1965 و 1969 و 1978 و 1985 و 1987 فإنها لم تنقطع أبدا و ظل النقابيون ممثلين في مجلس النواب بطريق مباشرة او بطريقة ملتوية على غرار عدم الانخراط المباشر في الجبهة الانتخابية مع ترك الحرية للنقابيين للترشح في قائمات الحزب الحاكم او تعمد هذا الأخير ترشيح نقابيين قدامى و تسمية بعضهم ولاة او رؤساء مؤسسات…
و غرضنا من التذكير بهذا المسار أن نبين السمة التي طبعت العلاقة بين الإتحاد و الحكومة حتى ترسخ هذا الالتقاء بينهما مما يفيد بأن الطرفين يشكلان جوهر السلطة رغم محطات التأزم المفرط لاسيما عند فشل التجربة التعاضدية و نهاية تدجين المنظمات الوطنية و كذلك انخراط القيادة النقابية في مناورات خلافة الرئيس بورقيبة مما أدى إلى التصادم الأقوى بين الطرفين و خوض أول إضراب عام في دولة الاستقلال.
و خلال هذه الفترة الممتدة عرف المجتمع تغييرات عميقة أفرزت تنامي الوعي السياسي و الاجتماعي و أفضت إلى تشكل وعي عمالي متجدد و طموح في صفوف الإتحاد، كما عملت التيارات السياسية المعارضة على التنديد بتواطئ القيادة النقابية مع السياسة الاقتصادية التحررية لاسيما في سبعينات القرن الماضي…
توظيف العمل النقابي لخدمة العمل السياسي
و ما لبثت تلك التيارات أن انتهزت فرصة التوترات للانخراط في العمل النقابي بعد أن قاطعته مدة طويلة و تكرس هذا التوجه خاصة بعد ازمة 1978 ثم تفاقم حضور المجموعات الايديولوجية اليسارية و القومية و الإسلامية تدريجيا ختى سيطر على نقابات بكاملها في التعليم و الصحة و البنوك و البريد و المناجم و نتج عنه توظيف العمل النقابي لخدمة العمل السياسي و أصبح خط الفرز منحرفا نحو هذا الاتجاه أو ذاك.
و في هذه الأثناء كانت الحركة النقابية العالمية تشهد تحولات عميقة في طبيعة العمل النقابي و أهدافه و طرق نضاله و محتوى خطابه و وسائل عمله، و كان لانهيار الإتحاد السوفيتي سنة 1989 و نهاية التاريخ كما أعلنت الليبرالية المزهوة بانتصارها و اعتماد العولمة نتائج لم يستوعبها الإتحاد العام التونسي للشغل الذي ظل متمسكا بمرجعياته القديمة التي ذكرناها انفا و قد تاكلت و انتهت صلاحياتها، و لم تحصل القطيعة النهائية بين الحكومات المتعاقبة و بين الإتحاد إلا سنة 2011 عندما توهمت القيادات النقابية أنها كانت حاسمة في إسقاط النظام و انتصار الثورة… و هو دور لم تشأ القوى السياسية أن تعترف به للاتحاد فكان الدخول في مرحلة الشد و الجذب التي تحولت مع مرور الوقت إلى تحالف بين الإتحاد و بعض التنظيمات اليسارية في مواجهة الاسلاميين و حلفائهم فغاب اتحاد حشاد في معارك النفوذ بأدوات قديمة…
و من هنا جاءت الحاجة الأكيدة للمراجعات الجوهرية للعمل النقابي و خاصة بعد أن طالبت الدولة نفسها بفك الارتباط من خلال إعلانها حق التفرد بالعمل السياسي و تمسكها بأن ليس للاتحاد إلا ممارسة العمل المطلبي طبق النصوص القانونية و تخليها عن الاقتطاع المباشر لمعاليم الانخراط في النقابات و هو التسهيل الذي تكرمت به دولة ما قبل الثورة و مارست عبره الضغط و التهديد.
انتهاء التعاقدية بين الدولة و الإتحاد
و أمام هذا المسار العام بما تخلله من أزمات ، و بعد انتهاء التعاقدية غير المعلنة بين الدولة و الإتحاد حري بالنقابيين أن يفسحوا المجال لتجديد الحركة النقابية بخطابها و ادواتها و طرق نضالها و تخليصها من اللبس الذي اكتنفه بفعل التداخل بين الايديولوجي و النقابي ذلك أن النقابات هي طليعة القوى الاجتماعية الإصلاحية التي تكبح جماح الاستغلال و تواجه الحيف دون أن تقود تغيير الأنظمة السياسية.
و طبق هذا المفهوم فللنقابات مجال فسيح للمساهمة في تكريس العدالة الاجتماعية و غرس القيم التقدمية و تمرير خطاب تعبوي قادر على تعبئة الرأي العام من أجل العمل و الاستحقاق، و لن يقوم بهذه المهمة إلا الجيل الجديد من النقابيين و هم كثر في اتحاد حشاد..فافسحوا لهم المجال حتى يتم التغيير من الداخل…على غرار الدولة الوطنية.
باحث جامعي ومحلل سياسي.



شارك رأيك