بقلم القاضي عمر الوسلاتي: “عندما تقع جريمة تمسّ طفلًا، يهتزّ الضمير الجماعي، ويعلو الغضب، وتتسابق الصفحات لنشر التفاصيل والصور والروايات… ..”
يبدو الأمر في ظاهره تضامنًا، لكنه قد يتحوّل – من حيث لا ندري – إلى اعتداء ثانٍ على الضحية نفسها.الطفل ليس مادة تداول. ليس قضيةً فيسبوكية. هو إنسان له حقّ في الكرامة، وفي الخصوصية، وفي أن يُحمى من أعين لا تعرف حدودًا.
بمجرد أن تأذن النيابة العمومية بفتح بحث، تصبح الوقائع خاضعة لسرية التحقيق. نشر المعطيات، وتداول التفاصيل، وتوجيه الاتهامات خارج إطار القضاء، لا يخدم العدالة بل قد يربكها. الحقيقة لا تُصنع في التعليقات، بل تُبنى في محاضر البحث، تحت ضمانات القانون.
ثم إن نشر صورة طفل، أو اسمه، أو أي معطى يمكن أن يؤدي إلى التعريف به، يمثل انتهاكًا لحقه في الحياة الخاصة. الفضاء الرقمي لا ينسى. وما يُنشر اليوم بدافع الغضب سيبقى أثرًا دائمًا في ذاكرته الرقمية. سيكبر الطفل، وقد يجد قصته معلّقة في فضاء لا يمحو شيئًا. وهنا نكون قد صنعنا له جرحًا ثانيًا، أكثر صمتًا وأطول عمرًا.إن حماية الطفولة لا تكون بالصراخ ولا بالمزايدة. تكون باحترام القانون، وبحفظ سرية البحث، وبمنع كل تعاطٍ إعلامي يكشف الهوية أو يعيد إنتاج الصدمة. تكون بالإحاطة النفسية، وبمراجعة آليات الوقاية، وبمحاسبة الجناة – إن ثبتت الجريمة – في إطار عدالة هادئة لا تستعرض الألم.التضامن لا يعني التشهير.والغضب لا يبرر خرق القانون.والعدالة لا تحتاج إلى جمهور، بل إلى ضمانات.فلننتبه.فالطفل الذي تعرّض للاعتداء – إن ثبت – لا يجب أن يتحول إلى قصة رقمية أبدية..يكفيه ألمٌ واحد.,!!!!!



شارك رأيك