* بقلم فاهم بوكدوس
يناقش مجلس نواب الشعب حاليًا مبادرة تشريعية تهدف إلى تنقيح بعض أحكام المجلة الجزائية، بغرض الترفيع في العقوبات المتعلقة بجرائم السطو (البراكاجات). يأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه الدعوات للحزم، بينما يشهد الواقع الاجتماعي في تونس تراجع الخدمات العمومية، وارتفاع البطالة، واتساع دائرة الفقر، وانحسار فرص الإدماج الاقتصادي، خاصة بين الشباب والمناطق الداخلية المهمّشة.
إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب التشريع الجزائي ليس التشدد في حدّ ذاته، بل انفصاله عن روح القوانين التي تمنحه شرعيته الأخلاقية قبل شرعيته الشكلية. فالقانون الجزائي لم يُوجد ليكون أداة استعراض للصرامة، بل لحفظ التوازن بين حماية النظام العام وصون الكرامة الإنسانية، وبين الردع والإنصاف، وبين سلطة الدولة وحقوق الأفراد. وحين يختلّ هذا التوازن، يفقد القانون جزءً من روحه، حتى وإن ظلّ سليمًا من الناحية الشكلية.
الإشكال البنيوي في رفع العقوبات السجنية:
ان مشروع رفع العقوبات السجنية يطرح إشكالًا عميقًا، إذ لا يتعلق فقط بتعديل الحدود القصوى، بل يمس جوهر الفلسفة التي تحكم السياسة الجنائية. فالتشديد قد يكون مبرّرًا في مواجهة جرائم خطيرة، لكن تحويله إلى مقاربة عامة في ظل هشاشة اقتصادية واجتماعية يتجاوز وظيفة القانون، ويحوّله إلى أداة رمزية أكثر من كونه أداة فعّالة للعدالة.
فجزء معتبر من الإجرام في تونس مرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية: بطالة مزمنة، وانقطاع دراسي، واقتصاد غير منظم، وضعف أفق الإدماج، وتراجع الثقة في المؤسسات. وعندما تتراجع الدولة في بعد الوقاية الاجتماعي، ثم تتقدّم في بعدها العقابي عبر مضاعفة سنوات السجن، يُخشى أن يتحوّل القانون إلى أداة لمعاقبة نتائج الفشل الاجتماعي بدل معالجته.
ويتجلى نفس المنطق في المبادرة التشريعية الخاصة بالعنف في الملاعب الرياضية، التي تعتمد على تشديد العقوبات والمنع من دخول المنشآت الرياضية لفترات طويلة، دون برامج وقائية أو تأهيلية.
ان العنف في الملاعب مرتبط بعوامل اجتماعية وثقافية: غياب بدائل تربوية وترفيهية، واحتقان اقتصادي واجتماعي، وضعف الإدماج، وانخفاض ثقافة الحوار واحترام القانون. ومن ثمة، فإن تشديد العقوبة وحده، سواء في الجرائم العامة أو العنف الرياضي، يعالج النتائج لا الأسباب. لكن الأهم من ذلك أن هذه التشريعات غالبًا ما تستهدف مجموعات بعينها دون غيرها، خصوصًا جماهير “الألتراس”، كما يظهر في سياقات مشابهة حول العالم حيث لم تختف ظاهرة العنف بين جماهير كرة القدم رغم التشديد القانوني.
في المقابل، التجربة البريطانية والفرنسية تختلف عن هذا النمط الانتقائي. ففي المملكة المتحدة وفرنسا، ركزت السياسات على جميع الجماهير، مع برامج تأهيلية وتربوية شاملة، دون استهداف فئات بعينها. هذا التوجه الشامل ساهم في الحد من العنف داخل الملاعب، ولم يخلق شعورًا بالتمييز أو الانتقائية، ما يعكس فرقًا جوهريًا مع الحالة التونسية حيث غالبًا ما تُستهدف مجموعات الألتراس بعقوبات مشددة دون معالجة شاملة للبيئة الرياضية والثقافية المحيطة.
من هذا المنطلق، يتضح أن الردع الزجري الانتقائي وحده لا يكفي لمعالجة العنف الرياضي، بل يجب أن يقترن بسياسات وقائية، تعليمية، وإصلاحية شاملة لكل الجماهير، لتفادي زيادة الاحتقان وتعزيز فاعلية التدابير القانونية.
إذا انتقلنا إلى التجارب الدولية المتعلقة بأقصى درجات الردعية، يظهر بوضوح محدودية الاعتماد على شدة العقوبة وحدها لتحقيق الأمن الجنائي. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لا تُظهر الدراسات في بعض الولايات الولايات المتحدة، حيث تُطبّق عقوبة الإعدام بانتظام منذ عقود، فرقًا حاسمًا في معدلات جرائم القتل مقارنة بولايات ألغتها بالكامل. فالدراسات الجنائية تكشف أن الفرضية التقليدية القائلة بأن “زيادة شدّة العقوبة تؤدي آليًا إلى انخفاض الجريمة” لا تتحقق دائمًا، وأن العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية تلعب دورًا أكبر من قسوة العقوبة نفسها.
وفي الصين، الدولة المعروفة بتطبيق عقوبة الإعدام على نطاق واسع، لم يُسجَّل انخفاض ملموس في الجرائم الخطيرة رغم كثرة الأحكام وتنفيذها الفعلي. أما في إيران، فالإحصاءات الرسمية تشير إلى استمرار حدوث جرائم القتل والجرائم الكبرى رغم كثافة الإعدام، ما يوضح أن الردع الزجري الأقصى لا يلغي الممارسة الإجرامية، ويؤكد أهمية البعد الاجتماعي والثقافي في انتشار الجريمة.
على النقيض، تقدم دول مثل فرنسا، ألمانيا، سويسرا، والنرويج نموذجًا مختلفًا: ألغت هذه الدول الإعدام منذ عقود، مع الحفاظ على معدلات منخفضة نسبيًا للجرائم، واعتمدت سياسات جنائية متكاملة، تقوم على حتمية العقاب وفعالية مؤسسات العدالة وسرعة الإجراءات، وربط العقوبة ببرامج إعادة الإدماج الاجتماعي. هذا النموذج يظهر أن الردع لا يُقاس بقسوة العقوبة فقط، بل بانتظام تطبيقها، وثقة المواطنين في القانون، ووجود أفق اجتماعي يقلّل دوافع الانحراف.
من المفارقات الملحوظة في المشهد التشريعي التونسي أن بعض نواب الشعب يميلون إلى تبني مبادرات الترفيع في العقوبات بسهولة نسبية، مقارنة بصعوبة اقتراح سياسات وقائية أو إصلاحات اجتماعية معقدة. ويعود ذلك إلى عدة عوامل مترابطة.
أولًا، رفع العقوبات يُقدّم انطباعًا سريعًا بالقوة والحزم أمام الرأي العام، خصوصًا في مواجهة جرائم شديدة الصدمة مثل السطو المسلّح أو الاغتصاب او القتل، ما يمنح النائب صورة “مدافع عن الأمن” من دون مواجهة تحديات الإصلاح البنيوي الطويل الأمد.
ثانيًا، مقاربة الردع الزجري أقصر مسارًا سياسيًا من تصميم برامج الوقاية أو التأهيل، والتي تتطلب تنسيقًا بين وزارات متعددة، ميزانيات أكبر، متابعة اجتماعية مستمرة، وصبرًا على نتائج غير فورية. فرفع العقوبات يُمكن صياغته وإقراره بسرعة، بينما الإصلاح الاجتماعي يستلزم جهدًا طويلًا وتضافرًا مع مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما يقلل من جاذبيته السياسية.
ثالثا، يضاف إلى ذلك أن برلمان تونس
وفق الدستور هو مؤسسة وظيفية تركز على التشريع وليس سلطة كاملة لضبط السياسات العامة. هذا الوضع الدستوري يضعف قدرة البرلمان على التأثير في الوقاية الاجتماعية والبرامج الهيكلية، فيميل بدلاً من ذلك إلى التركيز على التشريعات الزجرية التي يمكن إقرارها بسرعة، وكأنها تعويض عن النقص في التحكم بالسياسات العامة.
وأخيرًا، هناك عامل الضغط الإعلامي والجماهيري، إذ غالبًا ما تركز وسائل الإعلام على الجرائم المثيرة وتصعيدها، ما يخلق مناخًا يضغط على النواب لإظهار صرامة فورية. وهنا، يصبح رفع العقوبات أداة رمزية واضحة، قابلة للعرض أمام الرأي العام، حتى وإن كانت محدودة الفاعلية على أرض الواقع.
من هذه التجارب والتحليلات، يُستنتج أن مجرد رفع العقوبات السجنية في تونس، سواء ضد جرائم البراكاجات أو العنف في الملاعب، لا يكفي لتحقيق الأمن الجنائي المستدام. فالردع وحده لا يعالج جذور الظاهرة، وقد يُحوّل القانون إلى أداة رمزية لمعاقبة النتائج بدل معالجة الأسباب.
إنّ روح القوانين تقتضي أن يكون السجن أو أي عقوبة ردعية آخر الملاذات، وأن يُوظف في إطار سياسة جنائية متكاملة تقدّم الوقاية والإدماج على الردع الصرف. كما تقتضي الحفاظ على مبدأ التناسب، وسلطة القاضي في تفريد العقوبة، وإدماج التدابير البديلة حيثما أمكن.
واجمالا يتضح بجلاء أن الأمن الجنائي المستدام في تونس لا يُبنى فقط على مضاعفة سنوات السجن أو تشديد المنع من الملاعب، بل على بناء مجتمع أكثر إدماجًا، مؤسسات عدلية أكثر فاعلية، وبرامج وقائية وتأهيلية واجتماعية متكاملة، وإلا بقي التشديد الزجري إجراءً شكليًا يمنح وهم الحزم، دون أن يعالج الأسباب البنيوية للجريمة.
*ف.ب.ك



شارك رأيك