طرح مشروع القانون المتعلق بالتقاعد المبكّر في القطاع الخاص دون شرط الأمومة، موقف النساء الديمقراطيات

تتابع الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات ببالغ القلق مقترح القانون عدد 104 لسنة 2025 المتعلق بسن أحكام خاصة بالتقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص، دون شرط الأبناء.

يقترح هذا النص إقرار آلية للتقاعد المبكر لفئة النساء العاملات في القطاع الخاص، بداية من سن 50 عامًا، بصفة اختيارية شريطة استكمال 80 ثلاثية، أي ما يعادل 20 سنة من المساهمات الفعلية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مع التنصيص على التوقّف النهائي عن النشاط المهني بمقابل. ويقدَّم هذا التعديل على أنه إجراء يهدف إلى إزالة تمييز قائم على أساس الإنجاب، وينصّ على الالتزام بمبدأ ديمومة الصناديق الاجتماعية وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.كما يبرّر أصحاب هذا المقترح هذا التوجّه بالرغبة في تمكين النساء من التفرغ لصحّتهن وحياتهن العائلية، والتخفيف من ضغوط العمل، خاصة في ظل ظروف الشغل الصعبة التي تعرفها العديد من القطاعات الخاصة.

إن هذا المشروع الذي يزعم أصحابه انه جاء ليساوي بين النساء في التقاعد المبكر بعض النظر عن وضعياتهن، هو في حقيقية الامر يخفي تمييزا أعمق يتمثل في استهداف النساء دون الرجال لإنهاء مسارهن المهني مبكرا وازاحتهن من الدورة الاقتصادية ليجدن أنفسهن يتقاضين جراية تقاعد تساوي نصف الراتب الشهري. كما أن هذا المشروع، يكرّس في جوهره مقاربة تمييزية خطيرة تجاه النساء وحقوقهن الاقتصادية والاجتماعية، ويندرج ضمن سياق عام من السياسات والتشريعات التي تسعى، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة النساء إلى الفضاء المنزلي، وإقصائهن من المجال العام ومن سوق الشغل، وتحميلهن كلفة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، عوض معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية ولفشل السياسات الاقتصادية والتشغيلية.

وعليه، تعتبر الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أن هذا المشروع:

  • يخرق مبدأ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، ويقيّد المسار المهني للنساء عبر دفعهن إلى الخروج المبكر من سوق الشغل، ويحرمهن من فرص التدرج الوظيفي، والترقيات، والتكوين المستمر، والمشاركة المتساوية في مختلف مراحل التوظيف وصنع القرار
  • يقوّض الحق في العمل اللائق ويحوّل “الاختيار” إلى آلية ضغط غير مباشرة، خاصة في ظل هشاشة أوضاع النساء العاملات في القطاع الخاص
  • يعمّق من أزمة الصناديق الاجتماعية، وخاصة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، باعتبار أن فتح باب التقاعد المبكر على مصراعيه ودون ضوابط حقيقية سيؤدي إلى استنزاف موارده.
  • يعكس رؤية ضيقة لا تعبّر عن حاجيات النساء ولا عن مطالب الحركة النسوية ولا عن التزامات الدولة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء.

إن الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، ومن موقعها النسوي والحقوقي:

ترفض هذا المشروع من حيث المبدأ، وتؤكد أن البحث عن “حلول” للأزمة الاقتصادية أو” لبطالة الرجال ” لا يمكن أن يتم على حساب النساء، ولا عبر التضحية بحقوقهن، ولا عبر إقصائهن من سوق الشغل.
تنبه من هذا المشروع الذي يهدّد توازنات الصناديق الاجتماعية لما يحمله من مخاطر جدّية على منظومة الحماية الاجتماعية برمتها. فالتشريعات الصادرة في هذا المجال دون دراسة انعكاساتها المالية على التوازنات المالية لأنظمة الضمان الاجتماعي لا تضمن ديمومة هذه الأنظمة بل تقوضها.
تؤكد على أن منظومة الضمان الاجتماعي تقوم على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين النساء والرجال، سواء أثناء المسار المهني أو عند التقاعد.
ترفض بشكل قاطع هذا التوجّه الرجعي، وتعتبر أن حقوق النساء هي حقوق غير قابلة للمساومة، وأن استهداف النساء وحدهن بإجراءات التقاعد المبكر يُعدّ ضربًا لمبدأ العدالة والمواطنة، ومسًّا مباشرًا بمصالح النساء العاملات في القطاع الخاص.
تؤكد على أن هذا التوجّه لن يساهم في الحدّ من البطالة، لا سيما في سياق يشهد تحولات عميقة في سوق الشغل بفعل التطور التكنولوجي والرقمنة والذكاء الاصطناعي، التي تنذر بتقليص أكبر لفرص العمل البشرية. وعليه، فإن تحميل النساء كلفة هذه التحولات عبر الإقصاء المبكر من سوق الشغل هو خيار غير عادل، وغير ناجع، ويكشف غياب رؤية شاملة لإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية على أسس عادلة ومستدامة بما يضمن التوازنات المالية وديمومة المرفق العام.
تحذّر من الآثار المحتملة لهذا المشروع التي يمكن أن تساهم في نسف أي إصلاحات جدّية مقترحة لإنقاذ الصناديق الاجتماعية، لأن فتح باب التقاعد المبكر دون ضمانات فعلية للتعويض أو الإدماج سيؤدي عمليًا إلى استنزاف الموارد المالية للصناديق، وتسريع وتيرة إفلاسها.
تعتبر أن التخلّص من النساء العاملات في القطاع الخاص عبر آلية التقاعد المبكر ليس حلًا، بل معضلة إضافية، خاصة في ظل الأزمات التي تعيشها المؤسسات، حيث سيُستعمل هذا الإجراء كوسيلة قانونية للتسريح دون تعويض حقيقي، ودون خلق مواطن شغل جديدة ودون الاستفادة من الخبرات والتكوين.

وتدعو الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى:

  1. سحب هذا المشروع فورًا وفتح نقاش وطني جدي مع الأطراف الاجتماعية والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة حول إصلاح منظومة التقاعد والضمان الاجتماعي على أسس عادلة وشاملة وغير تمييزية.
  2. الكف عن توظيف النساء ومساراتهن المهنية كورقة في حسابات سياسية واقتصادية خارج أي رؤية استراتيجية
    لا عدالة اجتماعية ولا كرامة إنسانية دون حقوق النساء.
    *عن الهيئة المديرة
    الرئيسة، رجاء الدهماني
    تونس في 17 فيفري 2026

شارك رأيك

Your email address will not be published.