تدوينة اليوم الثلاثاء 17 فيفري 2026 بالدارجة التونسية، خصصها المهندس البيئي حمدي حشاد للبحر الذي غمر شارع بورقيبة كما غمر مناطق أخرى ليقبر المواطن فكرة راسخة في المخيال الجماعي التي تشير بأن العاصمة بعيدة عن المخاطر الطبيعية:
“نهار اللي شفنا فيه البحر يوصل حتى لقلب العاصمة، لشارع الحبيب بورقيبة، برشا توانسة حسّوا بصدمة حقيقية بنسبة ليهم الصورة ما كانتش عادية شارع يرمز للدولة، للاقتصاد، للتاريخ الحديث، فجأة يلقى روحو قدّام مياه البحر ، اللحظة هذيك كانت فارقة و كسرت فكرة راسخة في المخيال الجماعي إنو العاصمة بعيدة على المخاطر الطبيعية، وإنو البحر ديما يبقى في حدوده.
هنا ينجم يدخل مفهوم الذكاء الإيكولوجي Ecological Intelligence، وهو مفهوم طوّرو عالم النفس Daniel Goleman ويعني قدرتنا على فهم العلاقة العميقة بين سلوكنا اليومي والمنظومات البيئية اللي تحيط بينا ، الذكاء الإيكولوجي ما هوش مجرد معرفة بالمناخ، بل هو وعي بالترابط، وعي إنو العمران، ردم السواحل، اختيارات التنمية، وأنماط الاستهلاك الكثيف، الكلهم مرتبطين بردود فعل الطبيعة.
اللي صار في شارع الحبيب بورقيبة ما هوش حادثة منفصلة ، هو نتيجة تفاعل عوامل طبيعية ومناخية مع واقع عمراني هش و هنا وقت الي يصير انخفاض في الضغط الجوي مع عواصف قوية، ومع ارتفاع تدريجي في مستوى سطح البحر، تنجم تصير ظاهرة المدّ العاصفي storm surge، والمياه تلقى طريقها للداخل خاصة كي تكون المناطق الساحلية مهيأة بطريقة ما تعطيش مجال للامتصاص الطبيعي أو للحماية البيئية.
الصدمة اللي عاشها التوانسة لحظتها تنجم تتحوّل إلى نوعين من ردود الفعل ، يا إما إنكار واعتبارها حادثة استثنائية و هذا الي تشوفوه في معظم تعليقات وسائل التواصل الإجتماعي ، يا إما بداية لتأسيس وعي جديد الذكاء الإيكولوجي يعني نختاروا الطريق الثاني ، يعني نفهموا إنو البحر ما دخلش “يهاجم”، بل تحرّك ضمن منظومة طبيعية تأثرت بتغيرات أكبر ، نفهموا إنو مدننا الساحلية الكلها، من بنزرت إلى صفاقس وحتى الجنوب، معنية بنفس التحولات بدرجات مختلفة.
رفع الوعي اليوم مهم لأنو الصورة الصادمة تنجم تكون فرصة تعليم جماعي. وقت المواطن يبدأ يسأل كيفاش نبنيو، فين نبنيو، كيفاش نستهلكوا، وكيفاش ندمجوا الحلول القائمة على الطبيعة في التخطيط الحضري، وقتها نكونوا دخلنا فعلاً في منطق الذكاء الإيكولوجي الفكرة ما هيش قايمة على التخويف، بل فهم أعمق للواقع الجديد اللي نعيشوه في المتوسط.
اللي صار قدام أعيننا كان رسالة واضحة إنو العلاقة بين المدينة والبحر ما عادش تنجم تبقى كما قبل ، إذا الصدمة تتحوّل لوعي، والوعي يتحوّل لسياسات وسلوكيات، تنجم تكون اللحظة هذيك بداية مرحلة جديدة في طريقة تفكير التوانسة في بيئتهم ومستقبل مدنهم”.
- حمدي حشاد
*الصورة للمهندس حشاد



شارك رأيك