قراءة حشاد لدراسة Nature Communications حول تغير الطقس في عالم يسخن بسرعة…

بالتوازي مع تغيرات المناخ عبر العالم، اختار حمدي حشاد المهندس البيئي هذا المساء طرح مسألة العواصف انطلاقًا من دراسات علمية حديثة. و في ما يلي ما جاء في تعليقه وهو من أهل الاختصاص:

“الدراسات العلمية الجديدة بدأت تعطينا صورة أوضح عن كيفية تغيّر الطقس في عالم يسخن بسرعة، وليس فقط من حيث ارتفاع درجات الحرارة، بل من حيث طريقة تشكّل العواصف نفسها. دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature Communications سنة 2026 حللت واحدة من أعنف الفيضانات التي شهدتها مدينة فالنسيا الإسبانية، وحاولت الإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره لكنه عميق جدًا علميًا هل تغيّر المناخ يجعل الأمطار أكثر فقط أم أنه يغيّر “محرك العاصفة” ذاته؟
العلماء أعادوا بناء نموذج العاصفة باستخدام نماذج مناخية عالية الدقة وقارنوا بين عالمنا الحالي وعالم افتراضي بدون الاحترار العالمي الناتج عن النشاط البشري ، النتيجة لم تكن مجرد زيادة في كمية الأمطار، بل تبيّن أن الاحترار العالمي جعل العاصفة أكثر كفاءة في إنتاج المطر وأكثر قدرة على تضخيم نفسها ذاتيًا و الهواء الأكثر دفئًا يحمل كمية أكبر من بخار الماء، وهذا البخار يتحول داخل السحب إلى طاقة إضافية تغذي التيارات الصاعدة، فتزداد قوة السحب الرعدية وعمقها وسرعة تطورها.

الدراسة أظهرت أن الطاقة الحرارية داخل العاصفة ارتفعت بحوالي 29.5% وأن سرعة التيارات الصاعدة داخل السحب ازدادت بنحو 11.9%، وهو ما أدى إلى تكثف الأمطار بشكل أسرع وأشد مما كانت تتوقعه القوانين المناخية التقليدية بمعنى آخر، العواصف اليوم لا تصبح أقوى تدريجيًا فقط، بل تدخل في مرحلة تضخيم سريع يجعل الهطول شديد التركّز في زمن قصير جدًا، وهو ما يفسر لماذا أصبحت الفيضانات المفاجئة أخطر من السابق رغم أن المعدلات السنوية للأمطار قد لا تتغير كثيرًا.

الرسالة الأهم التي تحملها هذه الدراسة تتجاوز فالنسيا أو إسبانيا. نحن نعيش انتقالًا نحو مناخ جديد تتحول فيه العواصف المتوسطية إلى أحداث قصيرة لكن شديدة العنف، حيث يسقط ما يعادل أشهر من الأمطار خلال ساعات وهذا النمط بدأ يظهر بوضوح في حوض المتوسط وشمال إفريقيا، من العواصف المتوسطية الأخيرة إلى الفيضانات المفاجئة التي شهدتها عدة مناطق في المنطقة.
ما يتغير اليوم ليس الطقس فقط بل منطق المخاطر نفسه. التخطيط الحضري التقليدي كان يعتمد على متوسطات الأمطار السنوية، بينما الخطر الحقيقي أصبح مرتبطًا بسرعة الهطول وكثافته اللحظية. الطرقات، شبكات التصريف، المدن الساحلية وحتى نظم الإنذار المبكر لم تُصمم أساسًا لهذا النوع الجديد من العواصف التي يغذيها الاحترار العالمي.
الاستنتاج الي وصل ليه العلماء واضحة جدًا تغيّر المناخ لا يجعل العالم أكثر حرارة فقط، بل يجعل الغلاف الجوي أكثر طاقة وأكثر قدرة على إنتاج ظواهر متطرفة مفاجئة. نحن أمام مرحلة يصبح فيها فهم ديناميكية العواصف والتكيّف معها ضرورة أساسية، لأن مناخ المستقبل لن يكون مجرد نسخة أكثر سخونة من الماضي، بل نظامًا مناخيًا مختلفًا في سلوكه بالكامل”.

*حمدي حشاد

شارك رأيك

Your email address will not be published.