صمت مريب يحبس الأنفاس في أروقة منظمة الأعراف يثير اليوم الجدل لدى عامة الشعب. فاهم بوكدوس يكتب عن المشهد ما يلي:
عاد رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، سمير ماجول، إلى الظهور تحت قبة البرلمان بمناسبة جلسة استماع بلجنة التخطيط الاستراتيجي خُصّصت للنظر في مقترح تنقيح قانون الاستثمار، حيث قدّم جملة من التصورات اعتبرها مدخلًا لإحداث نقلة نوعية في مناخ الأعمال. ودعا في مداخلته إلى مراجعة المنظومة الجبائية بما يشجع على النمو، وتطوير البنية التحتية، وتحسين القدرة التنافسية، ودعم التصدير، والاستثمار في الصناعات الذكية والطاقات المتجددة، فضلًا عن تحيين مجلة الصرف وتوفير تمويلات أكثر نجاعة للمؤسسات.
حضور ماجول حمل دلالة سياسية ورمزية أيضًا، باعتباره ممثلًا لأحد مكوّنات الرباعي الراعي للحوار الوطني المتوَّج بـجائزة نوبل للسلام، غير أن هذا البعد الرمزي يطرح بدوره سؤالًا عمّا إذا كان ذلك الدور الوسيط والمؤثر قد تراجع أو انتهى عمليًا في ظل التحولات السياسية الأخيرة.
وتتزايد في هذا السياق أصوات داخلية ناقدة تطال رئيس المنظمة، متهمة إياه بانتهاج سياسة صمت تجاه ملفات حيوية تمس مباشرة رجال الأعمال والمؤسسات. من بين هذه الملفات الجدل المتواصل حول نظام المناولة، وإشكاليات الشيك دون رصيد، ومسار الصلح الجزائي، إضافة إلى أحكام وإيقافات طالت عددًا من الفاعلين الاقتصاديين. ويرى منتقدون أن هذه القضايا كانت تستوجب مواقف أكثر وضوحًا ودفاعًا صريحًا عن مناخ الأعمال وضمانات المحاكمة العادلة واستقرار المعاملات.
فالمنظمة التي يُفترض أن تكون صوت القطاع الخاص وشريكًا أساسيًا في رسم السياسات الاقتصادية، بدت خلال السنوات الأخيرة أقل انخراطًا في النقاش العمومي حول القضايا الكبرى، في وقت كانت فيه البلاد تعيش تحولات عميقة وأزمات متلاحقة. ويصعب فصل هذا التراجع النسبي في الحضور عن الإشكالات الداخلية التي تراكمت داخل هياكل الاتحاد، وعلى رأسها تعطل مسار تجديد الشرعية عبر المؤتمر العام.
لقد مضت أكثر من ثلاث سنوات على انتهاء العهدة القانونية للمكتب التنفيذي دون تنظيم المؤتمر الانتخابي الجديد، وهو استحقاق لا يكتسي طابعًا شكليًا أو بروتوكوليًا، بل يمثل جوهر الحياة الديمقراطية داخل أي منظمة وطنية. فالمؤتمر ليس مجرد محطة لتوزيع المسؤوليات، بل هو فضاء للمساءلة، وتقييم الأداء، وتجديد الرؤى، وإعادة ترتيب الأولويات على ضوء المتغيرات الوطنية والدولية.
تأخر عقد المؤتمر بهذا الشكل المطول يطرح تساؤلات جدية حول ديناميكية التسيير الداخلي، ومدى احترام الآجال والهياكل المنصوص عليها في الأنظمة الأساسية. كما أنه ينعكس مباشرة على صورة المنظمة ومصداقيتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مبادئ الحوكمة الرشيدة، والشفافية، واحترام القانون. فالاتحاد الذي يطالب بمناخ أعمال مستقر وواضح القواعد، يجد نفسه مدعوًا إلى تجسيد تلك القواعد داخل بيته الداخلي أولًا.
ولا يقتصر أثر هذا التعطل على الإطار التنظيمي الضيق، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة أعمق تتعلق بثقافة الديمقراطية الداخلية في البلاد. فالمنظمات الوطنية الكبرى، بحكم وزنها التاريخي ودورها الوسيط بين الدولة والمجتمع، تشكل مدارس عملية لترسيخ التداول على المسؤولية واحترام المؤسسات. وعندما تتعطل آليات التجديد داخلها، فإن الرسالة التي تصل إلى القواعد وإلى الرأي العام قد تكون سلبية: مفادها أن الاستمرارية تغلب أحيانًا على التداول، وأن الضرورات الظرفية قد تطغى على الالتزام الصارم بالقواعد.
كما تتصاعد انتقادات داخلية حادة تعتبر أن تغييب استحقاق المؤتمر أضعف الهياكل الجهوية والقطاعية وقلّص من قدرتها على التأثير في القرار المركزي، ما انعكس بدوره على مستوى الحضور الوطني للمنظمة. كما يرى بعض الفاعلين أن استعادة الدور الوطني لاتحاد الأعراف تمرّ حتمًا عبر استكمال مسار تجديد الهياكل، بما يعيد ضخ الشرعية والثقة ويمنح القيادة القادمة — أو المتجددة — تفويضًا واضحًا لمواجهة الملفات الثقيلة المطروحة.
من هنا، يبدو أن التحدي المطروح أمام قيادة المنظمة اليوم لا يقتصر على تحسين تموقعها في النقاش الاقتصادي العام، بل يبدأ من إعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس ديمقراطية صلبة.
فالاتحاد الذي كان في مراحل سابقة جزءً من معادلات وطنية كبرى، مدعوّ اليوم إلى إثبات أن قوة تمثيليته تنبع أولًا من احترام قواعده الداخلية، وأن الدفاع عن مناخ استثمار سليم يمرّ أيضًا عبر ترسيخ ثقافة مؤسساتية قائمة على التداول والمساءلة والشفافية.
ف.ب.ك



شارك رأيك