“بعد يومٍ طويل من المعاناة، من السعي خلف لقمةٍ صارت أثقل من قدرتها على الإشباع، ومن عطشٍ لا يرويه ماءٌ ولا وعود، يجلس التونسي أمام شاشته بحثًا عن هدنةٍ قصيرة.
لا يريد أكثر من لحظة صفاء، من ابتسامةٍ خفيفة، من حكايةٍ تمنحه بعض العزاء. لكنّ الليل لا يأتي رحيمًا.يفتح التلفاز، فيستقبله وابلٌ من الإشهار المكثّف، يقتحم عليه المساء كما لو كان جزءًا من معاناته. :إعلاناتٌ تتراكم بلا هوادة، تقطع السرد، تشتّت الإحساس، وتحوّل المتابعة إلى اختبار صبرٍ جديد.
كأنّ الشاشة لم تعد نافذةً للراحة، بل سوقًا صاخبًا يطارده بعروضٍ لا تعنيه، ويذكّره بما لا يملك.وحين تنتهي الفواصل الثقيلة، تبدأ دراما حزينة، مثقلة بالصراخ والدموع والانكسارات.
شخصياتٌ محاصرة، واقعٌ مغلق، فقرٌ يُقدَّم بلا أفق، وغنىً يُصوَّر بلا قيم. تتكرّر الصورة حتى تفقد دهشتها، ويُعاد الألم حتى يفقد قدرته على التطهير. فلا مشروع فكري يُقترح، ولا أملٌ يُلمَّح، ولا رؤيةٌ فنية تُغامر بالخروج من دائرة العتمة. ليس المطلوب إنكار الواقع، ولا تزييف المعاناة، بل إعادة صياغتها في عملٍ يمنحها معنى، ويزرع في ثناياها احتمالًا للتغيير.
فالفنّ ليس مضاعفةً للتعب، ولا إعادة بثٍّ لليأس، بل قدرةٌ على اقتراح حياةٍ أوسع من يومٍ مثقلٍ بالعطش والجوع.أما أن يتحوّل المساء إلى امتدادٍ لوجع النهار، وأن تصبح الشاشة ساحةً أخرى للاستهلاك والحزن، فذلك ما يجعل التونسي لا يخرج من معاناته… بل يدخلها من بابٍ جديد”.
*:ع.و



شارك رأيك