- البرنامج التفصيلي: Soon/قريبا
لم تكن الهوية التونسية يوماً معطىً ثابتاً أو صوتاً منفرداً منغلقاً على ذاته، بقدر ما كانت دائماً سيرورةً حية من التثاقف والانصهار الخلّاق، صاغتها عبقرية الجغرافيا وحركة التاريخ. فتونس، المنفتحة بذراعيها شمالاً وشرقاً على حوض المتوسط بأمواجه وحضاراته، والراسخة بجذورها جنوباً في عمق الصحراء الكبرى بإيقاعاتها وامتدادها الروحي، شكّلت عبر العصور بوتقة فريدة تلاقت فيها المؤثرات لتنتج ما اصطلحنا على تسميته بـ «الطابع التونسي»؛ تلك الشخصية الموسيقية التي لا تشبه إلا نفسها.
شخصية أعادت صياغة المقامات الوافدة وصبغتها بروح المكان، فبات البياتي حين يُعزف في تونس يرتدي حلّة خاصة ويكتسي شجناً مختلفاً، ويتردّد الراست والحسين في مدوّنتنا بنفَس تونسي خالص ومزاج لا تخطئه الأذن، مشبعاً برطوبة البحر وحرارة الرمال في آن واحد.
ومن هذا المنطلق الجمالي، تتنزّل احتفالية «ليالي القمر» بدار سيباستيان، لا كمجرّد تظاهرة موسيقية، بل كمنصّة واعية تحتضن التجارب الموسيقية المعاصرة التي استلهمت هذا الثراء الهوياتي، وسعت إلى استثمار الانفتاح على الآخر، ممثّلاً في الآلة الغربية «البيانو»، لإنتاج نمط موسيقي تونسي معاصر.
نمطٌ يستفيد من التقنيات الهارمونية الغربية، والروحانية الشرقية، والعمق الصحراوي، ليسير على خطى الروّاد الذين نجحوا سابقاً في «تونسة» هذه الآلة وجعلها تنطق بلسان الذاكرة، فاتحين بذلك أفقاً رحباً للمبدعين الجدد لإعادة قراءة المدوّنة الموسيقية التونسية برؤية حداثية، تجعل من فضاء دار سيباستيان ركحاً لحوارية راقية بين البيانو والمقام، وبين أصالة الموروث وجماليات التجديد.
دار سيباستيان ليست فضاءً محايداً للاحتضان، بل معلمٌ للذاكرة والفنّ والإبداع، يحمل في جدرانه وتاريخه ذاكرة جماعية تُشكّل جزءاً من العمل الفني نفسه.
ومن هذا المنطلق، تنطلق البرمجة الفنية في ليالي القمر من حوار حيّ بين الفضاء والإبداع. فاختيار الفنون لا يتمّ بمعزل عن المكان، بل انطلاقاً من وعيٍ بأن التلقّي داخل دار سيباستيان يختلف: يتأثّر بذاكرتها، بحميميتها، وبجمهورها الذي اعتاد الإنصات العميق والتفاعل الواعي مع التجارب الفنية.
هنا، لا يُقدَّم العرض بوصفه حدثاً عابراً، بل كتجربة تتشكّل عبر تفاعل ثلاثي:
🔹الفضاء بما يحمله من ذاكرة
🔹العمل الفني
🔹الجمهور
وهو ما يمنح ليالي القمر خصوصيتها، ويجعل من الأجواء الرمضانية الهادئة إطاراً يُعمّق هذا التلاقي بين الإبداع، الذاكرة، والإنصات.
تُعدّ تظاهرة ليالي القمر موعداً ثقافياً رمضانياً قارّاً ينظّمه المركز الثقافي الدولي بالحمّامات – دار سيباستيان، وقد تأسّست على مقاربة فنية تُزاوج بين الإبداع المعاصر وروح الشهر الكريم، من خلال صيغ فنية حميمية تقوم على الإنصات وعمق التجربة.
ومنذ انطلاقتها، راهنت التظاهرة على الموسيقى، الصوت، الحكاية، والأداء الحيّ، في علاقة قُربٍ واعية مع جمهور لا يُنظر إليه كمتلقٍّ سلبي، بل كعنصر فاعل وشريكٍ أصيل في بناء التجربة الفنية وصياغة معناها.
تميّزت ليالي القمر عبر دوراتها السابقة بتنوّع مقارباتها الفنية، حيث:
- احتفت بالصوت النسائي الصوفي كفضاء للتعبير الروحي والجمالي
- قدّمت قراءات معاصرة للموسيقى التراثية والطقوسية
- اشتغلت على الحكاية الشعبية بوصفها ذاكرة تاريخية حيّة
- تحوّلت في إحدى دوراتها إلى فعل ثقافي تضامني تحت شعار «ليالٍ من أجل فلسطين»، حيث ارتقى العرض الفني إلى موقف إنساني وجمالي
هذا المسار كرّس ليالي القمر كتجربة فنية رمضانية تراهن على العمق، وتجديد العلاقة بين الفن، الذاكرة، والمكان.
تنطلق دورة «ليالي القمر 2026» من قناعة راسخة بأن دار سيباستيان ليست مجرّد فضاء للعرض، بل كيان ثقافي نابض بالحياة ومعلم للذاكرة يساهم بفاعلية في صناعة المعنى الفني. وفي هذا الإطار، يأتي «طيف دار سيباستيان» بوصفه تجلّياً للروح الإبداعية الساكنة في أرجاء المكان، حيث يتعانق الضوء والظل، ويتجاور الصمت والموسيقى، لتتشكل تجربة حسّية وفكرية متكاملة، تحمل معها نفحات الإبداع عبر ليالي القمر.
فالدار، بتاريخها المعماري وذاكرتها الفنية والإنسانية، تؤثّر مباشرة في الكتابة الفنية، في الأداء، وفي التلقّي.
وهنا تطرح هذه الدورة سؤالها المركزي:
كيف تتحوّل الذاكرة – الموسيقية، الحكائية، والأدائية – إلى مادّة إبداع معاصر؟
لا باعتبارها أرشيفاً جامداً أو مادةً للحنين، بل كطاقة حيّة قابلة لإعادة الصياغة، التأويل، والتجريب داخل الزمن الراهن.
لا تهدف التظاهرة إلى استنساخ الماضي أو إعادة تقديمه في صوره الجاهزة، بل تسعى إلى احتضان مشاريع فنية تُنصت إلى المدوّنة الموسيقية التونسية، وتقدّمها في قراءات أدائية وتجارب موسيقية معاصرة، تنسجم مع خصوصية الفضاء، وقدسية الزمان، وروح الانفتاح المتوسّطي.
داخل دار سيباستيان، يتحوّل العرض إلى تجربة لقاء تضيق فيها المسافة بين الفنان والجمهور، ويتحوّل الإصغاء إلى عنصر بنيوي في العمل الفني.
ويندرج هذا التصوّر ضمن الأفق الرمضاني للتظاهرة، حيث يُشكّل الشهر الكريم زمناً مواتياً للتأمّل، التذكّر، والعودة إلى الجوهري.
في هذا السياق، لا يُقدَّم الفن بوصفه ترفاً أو ترفيهاً، بل كممارسة ثقافية وروحية تُعيد وصل الإنسان بذاته وبذاكرته الفردية والجماعية.
ليالي القمر 2026 ليست مجرّد سلسلة عروض، بل مسار إنصات، وفعل إبداع يُعيد الذاكرة إلى الحياة، في فضاء يجعل من الفن تجربة مشتركة،



شارك رأيك