منظمة Alert حول أسعار اللحوم الحمراء: “منظومة ريعية تنهار، وليست “مؤامرة” تُحاك”

في كل مرة تحلّق فيها أسعار اللحوم، يُساق إلينا نفس السيناريو: “مؤامرة”، “قوى خفية”، و”خونة” يتآمرون على الدولة. نحن في منظمة آلرت (ALERT) نرفض هذه السردية. ليس إنكاراً لوجود تجاوزات أو مضاربة أو فساد في البلاد، بل لأن أزمة غلاء الأسعار تُفسَّر أساساً بأسباب هيكلية، اقتصادية، ومؤسساتية.

بالاستناد إلى التشخيص المرجعي لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE – 2019) حول قطاع اللحوم الحمراء في تونس، ومقارنته بالواقع الميداني اليوم، يتضح جلياً أين يتمركز “الريع”، ولماذا يدفع المواطن الثمن.

🟣1. اللحوم لا يرتفع ثمنها “صدفة”: سلسلة إنتاج تراكم التكاليف والهوامش الربحية
السعر النهائي لا يُحدَّد فجأة عند الجزار. إنه يُبنى عبر سلسلة طويلة: التربية، بيع الماشية ، الذبح، البيع بالجملة، ثم التفصيل. عندما تكون هذه السلسلة طويلة، غامضة، وسيئة التنظيم، تتراكم الهوامش الربحية، وتنعدم شفافية المعلومات، ليحتكر بعض الفاعلين “الريع”.
النتيجة: يدفع المستهلك فاتورة باهظة في غياب تام للشفافية والتتبع والمسؤولية.

🟡2. أسواق الماشية والوسطاء: غموض المنبع يرسّخ الريع
جزء كبير من المشكلة يبدأ قبل بلوغ المسلخ. عندما يكون المنبع (أسواق الماشية) غير منظم، وتحتكر قلة من الفاعلين المعلومة حول الأسعار والكميات والجودة، يختل ميزان القوى على حساب المربي، لينعكس لاحقاً على المستهلك. تتعدد أيدي الوسطاء، وتتوالى الصفقات، وتتراكم الأرباح. كلما زاد الغموض، زادت ربحية المنظومة لمن “يمسكون بخيوط المسالك”.

🟣3. المسالخ واللزمات: حواجز، تشوهات، ومنافسة مغشوشة
تُعدّ مرحلة الذبح مفصلية (جودة صحية، لوجستيك، وتكاليف). لكن، عندما تمنع شروط الدخول أو الاستغلال ظهور مسالخ حديثة وفعّالة، تُقتل المنافسة وتُعطّل مكاسب الإنتاجية. الأخطر من ذلك، عندما تعمل بعض المسالخ البلدية بنظام “اللزمات” دون التزامات استثمارية جدية، أو عندما يُتغاضى عن استخلاص الأداءات والرسوم، تصبح المنافسة “مغشوشة”: مَن يحترم القانون ترتفع تكلفته بشكل مصطنع، ومَن يتحايل يكتسب أفضلية في السعر وهامش الربح. هذا ليس “مؤامرة”، بل هندسة مؤسساتية تصنع الامتيازات.

🟡4. المعايير الصحية والقطاع الموازي: المستهلك يدفع الثمن مرتين
التطبيق الانتقائي للمعايير الصحية يخلق سوقاً بسرعتين:
فاعلون منظمون يتحملون التكاليف.
فاعلون موازون يخفضون تكاليفهم بالتهرب.
توسّع للقطاع الموازي على حساب الاستثمار والتحديث.
المستهلك هنا يخسر مرتين: يدفع سعراً مرتفعاً بسبب منظومة غير فعالة ومأزومة، ويتعرض لمخاطر صحية مع تمدد القطاع الموازي.

🟣5. شركة “اللحوم”: تهميش الفاعل المُعدّل يترك السوق فريسة للريع
وجود فاعل عمومي قد يعمل كأداة لاستقرار السوق… بشرط ألا يكون مكبلاً في منظومة يكسب فيها الآخرون لكونهم يتجاوزون القانون. اليوم، حتى عندما تعلن شركة “اللحوم” عن أسعار مرجعية (42.9 دينار/كغ)، يبقى تأثيرها محدوداً جداً بسبب ضعف قدرتها التوزيعية، وبقاء الكميات والمسالك الكبرى أسيرة للمنطق الريعي والتشوهات.

🟣6. العامل الهيكلي المخفي: الانهيار المروّع لقطيع الأبقار
لا يمكننا التظاهر بالتفاجؤ من أزمة اللحوم بينما العرض ينهار منذ سنوات. تُظهر الأرقام الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء (INS) تراجعاً حاداً في إجمالي قطيع الأبقار: من 685.8 ألف رأس سنة 2016 إلى 388.0 ألف رأس سنة 2022. عندما ينخفض العرض الهيكلي إلى هذا الحد، تصبح السوق هشة ميكانيكياً؛ وأي صدمة (مناخ، أمراض، كلفة الأعلاف، ذروة استهلاك) ستؤدي حتماً إلى التهاب الأسعار والانتهازية.

🟡7. منظومة الألبان: قطاع منكوب، واللحوم تدفع الفاتورة
يجب قول الحقيقة: لقد خنقنا مربي الأبقار الحلوب، ثم نتساءل لماذا تلتهب أسعار اللحوم. عندما يُباع الحليب بسعر لا يغطي تكلفة الإنتاج، يضطر المربي لتقليص قطيعه، أو التفويت فيه، أو التوقف عن الاستثمار. في بلد يرتبط فيه جزء كبير من لحوم الأبقار بقطيع الحليب، فإن ضرب منظومة الألبان يعني تدمير منبع إنتاج اللحوم. هذه ليست شعارات، بل حتمية اقتصادية.

🟣8. الأمراض والإنتاجية: عندما يمرض القطيع، ينهار العرض
تعرضت المنظومة هذا العام لصدمة إضافية: الأمراض الحيوانية التي تسببت في تراجع الإنتاجية، خاصة مع تسجيل بؤر لمرض الحمى القلاعية (fièvre aphteuse). المشكلة ليست في الإعلان عن حملات تلقيح لموسم 2026، بل في التغطية الفعلية، وسرعة التدخل، والصرامة الصحية الميدانية. عندما ينتشر المرض، تتزايد الخسائر، تتراجع الإنتاجية، ترتفع التكاليف، ويتقلص العرض، مما يجعل السوق أكثر عرضة للارتفاع.

🟡9. العرض والطلب: تأثير “الأسماك” وموسم رمضان
بعيداً عن الخطابات الشعبوية، لنتذكر البديهيات: السعر يخضع للعرض والطلب. في الأشهر الأخيرة، تضرر قطاع الأسماك إثر العاصفة المتوسطية “هاري” التي دمرت أقفاص الاستزراع السمكي، مما أدى إلى وفرة مؤقتة في الأسماك وانخفاض أسعارها. اتجهت العائلات لتعويض اللحوم بالأسماك، مما خلق ضغطاً أدى إلى تراجع ظرفي في أسعار اللحوم.
لكن مع اقتراب شهر رمضان ونفاذ عرض الأسماك (وعودة أسعارها للارتفاع)، ينعكس المؤشر: يعود المستهلك بقوة إلى اللحوم. العامل الظرفي موجود نعم، لكنه لا يفسر كل شيء، بل هو مجرد مضخم لأزمة هيكلية أعمق.

🟣10. الاستيراد للتعديل: مُسكّن يتحول إلى “إغراق” يدمّر المنتج المحلي
لمواجهة غلاء الأسعار، تلجأ الدولة للاستيراد لتهدئة السوق (لحوم أبقار بـ 37.900 د/كغ، ولحوم ضأن بـ 38.900 د/كغ). المشكلة تكمن في الاستراتيجية: إذا أصبح الاستيراد رد فعل دائم دون حماية للمنبع المحلي، فإننا نخلق حالة من “الإغراق” (Dumping). المنتج التونسي لا يمكنه منافسة سعر مستورد “مكسور” (بسبب دعم في دول المنشأ أو ظروف خارجية). النتيجة: يبيع المربي بخسارة، يقلص قطيعه، أو يهرب دوابه نحو الجزائر. الاستيراد دون إنقاذ المنبع هو شراء لسلم اجتماعي لأسابيع، بثمن تبعية غذائية دائمة.


🟡11. الخنق المالي للمربين: عبودية “قروض المزودين”
الزاوية التي يُراد إخفاؤها هي الهشاشة المالية للمربي. هيكلياً، يعاني المربون من إقصاء مالي، غياب التأطير، وضعف التمويل البنكي لدورة الاستغلال. النتيجة: ارتهانهم لـ “قروض المزودين” (أعلاف، أدوية، نقل).
عندما يشتري المربي بالآجل، يفقد حريته: يُجبر على البيع بسرعة، في الوقت الخطأ، وبسعر مفروض، وغالباً لوسطاء “متحالفين” مع مسالك التزويد. هكذا يُصنع الريع. سعر بيع متدنٍ للمزارع يقابله سعر شراء مشط للمستهلك.

🟣12. المقدرة الشرائية: الغذاء يتحول إلى “رفاهية”
يجب التوقف عن اختزال الأزمة في “رقم” على سبورة الجزار. المأساة الحقيقية هي التآكل المستمر للمقدرة الشرائية للتونسي. تؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء لشهر جانفي 2026 أن التضخم العام استقر عند 4.8%، في حين ظل تضخم “مجموعة التغذية والمشروبات” مرتفعاً في حدود 5.9%. بعبارة أخرى: كلفة “الأكل” مستمرة في إرهاق الميزانيات. السؤال ليس فقط “لماذا اللحوم غالية؟”، بل “لماذا تنهار المداخيل؟”.

⬅️التفكيك الحقيقي : السعر المرتفع هو ثمرة “الريع” وليس “لغزاً”
سعر اللحوم اليوم هو النتيجة الحتمية لـ:
سلسلة إنتاج غامضة يحتكر فيها الوسطاء القيمة.
منافسة مشوهة بالقطاع الموازي.
انهيار مفزع لقطيع الأبقار.
ضرب منظومة الألبان.
صدمات صحية تضرب الإنتاجية.
سياسة استيراد ترقيعية تضحي بالمنتج المحلي.

⬅️إذا كانت الغاية حقاً حماية المواطن، فالحل ليس في إلقاء الخطابات التخوينية، بل في الإصلاح: كسر الريع، فرض الشفافية في المنبع، حماية الصحة الحيوانية، ودعم الإنتاج المحلي عوض التضحية به عند كل أزمة.
🟡🟡 لا يمكنك إطعام شعب مُفْقَر بمنظومة منهكة ومربّين منسيين. في النهاية، الريع يأكل الجميع: المُنتِج، المُستهلِك، والدولة. بلد يتخلى عن مربيه ينتهي به الأمر باستيراد لحومه وتصدير كرامته. الخيار لنا: إما الإصلاح أو الريع.

شارك رأيك

Your email address will not be published.