الدستوري الحر: رسالة عبير موسي في اليوم الثامن من ثالث رمضان ب3 سجون…

ننقل في ما يلي الرسالة المفتوحة التي وجهتها من وراء قضبان سجن بلاريجيا بجندوبة الأستاذة عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر تذكيرا بقرار مجموعة العمل الأممية المختصة بالنظر في ملفات الاحتجاز التعسفية التابعة لمجلس حقوق الإنسان لمنظمة الأمم المتحدة الذي صرح “بعدم شرعية إحتجازي بإعتبار أنّه تأسس على إجراءات باطلة في ظل غياب تام لأي فعل موجب للتتبع الجزائي وإندرج في إطار مصادرة آرائي والإعتداء على حقي المشروع في التعبير والتنظم وإقصائي من الحياة السياسية،


هذا القرار الذي دعا بكل وضوح إلى إطلاق سراحي بصفة عاجلة…” و ها هي، رغم جسامة المظلمة، وفق ما أفادته، ازداد وضعها القانوني تعكرا لمواجهة عقوبة سجنية ب14 عاما و 6 أشهر…
……
نص الرسالة المنشورة على صفحة الحزب الدستوري الحر:

“الحمد لله وحده
تونس في 26 فيفري 2026
رسالة الأستاذة عبير موسي
تحية وطنية عطرة يا توانسة،
اليوم 26 فيفري 2026 مرّت سنة كاملة على إشعار الحكومة التونسية بقرار مجموعة العمل الأممية المختصة بالنظر في ملفات الإحتجاز التعسفي التابعة لمجلس حقوق الإنسان لمنظمة الأمم المتحدة الذي صرح بعدم شرعية إحتجازي بإعتبار أنّه تأسس على إجراءات باطلة في ظل غياب تام لأي فعل موجب للتتبع الجزائي وإندرج في إطار مصادرة آرائي والإعتداء على حقي المشروع في التعبير والتنظم وإقصائي من الحياة السياسية،
هذا القرار الذي دعا بكل وضوح إلى إطلاق سراحي بصفة عاجلة، صادر عن هيكل أممي معترف به من الدولة التونسية التي خولت لمواطنيها التظلم أمامه، ولا يمكنها تجاهله أو شيطنته ومن واجبها تنفيذه في إطار إحترام إلتزاماتها الدولية ومصادقتها على المعاهدات العالمية في مجال الحقوق والحريات وإنخراطها في ميثاق الأمم المتحدة وتَعهُدِها بالإمتثال لما جاء فيه وهو ما تؤكده يوميا في بلاغاتها الرسمية ومن خلال مشاركاتها المنتظمة في الإجتماعات الأممية وآخرها الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة منذ 23 فيفري 2026 بجنيف ومداخلاتها المحملة بالدعوات لكافة الدول بضرورة إحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي،
ورغم هذا المطلب الأممي المؤسس واقعا وقانونا ورغم جسامة المظلمة المسلطة عليّ فإنني لازلت أقبع وراء القضبان بل إزداد وضعي القانوني تعكرا إذ أصبحت أواجه أحكام سجنية بأربعة عشر سنة وستة أشهر (14 سنة و6 أشهر) من أجل مواقفي السياسية وتصريحاتي الإعلامية المنتقدة للمسارات الإنتخابية وممارسة حقي في القيام بالإجراءات الضرورية للتظلم القضائي ضد الأوامر الرئاسية المتعلقة بالإنتخابات المحليّة.
وها أنا أقضي ثالث “رمضان” في ثالث معتقل أودع فيه منذ إختطافي في 03 أكتوبر 2023: رمضان 2024 في معتقل منوبة، رمضان 2025 في معتقل بلي، رمضان 2026 في معتقل بلاريجيا…
من 03 أكتوبر 2023 على الساعة 17:26 دقيقة إلى اليوم 26 فيفري 2026 على الساعة 17:26 دقيقة: تكبدتُ 878 يوما… 21072 ساعة… مليون و264 ألف و320 دقيقة من الظّلم والقهر والقمع والحرمان والتعذيب النفسي والمرض والألم الجسدي والعنف المعنوي والسياسي والإقتصادي والإجتماعي،
مرت السنوات والأشهر والأسابيع والأيام والساعات والدقائق والثواني بعذاباتها وأحزانها ولم تغيّر شيئا في ثوابتي السياسية وقناعاتي الفكرية بل عززت ثقتي في المشروع الوطني الذي أحمله وزادتني عزيمة وإصرارا على مواصلة مسيرة النضال السلمي الشريف إلى نهايتها وعلمتني دروسا في الحياة وأسقطت الأقنعة وكشفت معادن الناس ومنحتني الفرصة للجلوس إلى نفسي مع ذكرياتي وكتبي ومجلاتي بعيدا عن صخب الدنيا وضوضاء شبكات التواصل الإجتماعي التي لم تتورع حتى أثناء هذه المحنة التي أمر بها عن تشويهي وهتك عرضي “ونهش لحمي” في تحصين كامل من التتبعات،
صـارعت كثيرا لتحويل حرمـاني من الدفء العـائلي وحرقتي على البعد عن إبنتَيَّ اللتين تحتــاجـــان حناني في هذه السن الدقيقة إلى طاقة إيجابية وقدرة على الصبر وتجاوز الصعاب إلى أن يأتي الفرج،
في خضم كل ذلك لم أتخلف يوما عن متابعة الشـأن الوطني والدولي ولم أنقطع عن الإطلاع على مجريات الساحة الوطنية والعالمية…
إستمعتُ إلى الخطاب الرسمي وواكبت أطروحات الموالين والمعارضين “وجماعة المساندة النقديّة” والخبراء الذين أصبحوا يتصدرون المنابر … حللت وناقشت في صمت داخل زنزانتي كل الأفكار وتركت جراحي جانبا وتجردت من غضبي على السلطة التي ظلمتني وقرأت الواقع بمنطق مرأة الدولة التي لا تسمح بتقويض أسس الجمهورية ولا تقبل بتعريض البلاد إلى المخاطر ولا ترضى بالذل والهوان لتونس وللتوانسة مهما كان الموقف ممن يحكم ولا تنتظر حصول كارثة طبيعية أو إرهابية أو إقتصادية أو إجتماعية حتى تصفي حساباتها مع أصحاب القرار،
نظرت إلى الأمور بعين رئيسة الحزب الدستوري الحرّ الذي إختار شعار “حفظ الأمانة وإستمرار الرسالة” ليخوض مسيرة كفاح وطني صعبة وشائكة ومحفوفة بالمخاطر ولم يغادر الميدان رغم التهديد والوعيد والعرقلة ومناخ الخوف القائم حاليا،
وإستخلصت أننا أصبحنا أمام دولتين مختلفتين داخل نفس الدولة:

  • من جهة أولى “دولة النشرة الرئيسية للأنباء على التلفزة الوطنية” ومنابر الموالاة وصفحات الدعم الإلكتروني اللّامشروطة التي يُسوِّق أنها دولة الحق والعدل ومكافحة الفساد والإنجازات والنجاحات والتعافي الإقتصادي والمالي والسيادة الوطنية والتألق العالمي، … هذه الدولة ترفع سقف الوعود وتغرق المواطن في الأحلام الوردية وهي تعلم جيدا أنها غير قادرة على الوفاء بوعودها وتحقيق أحلام شعبها على المدى القصير وحتى المتوسط في ظل ما تعيشه من صعوبات ماليّة وهيكليّة عميقة،
  • ومن جهة أخرى دولة المواطن الكادح والفاعل الإقتصادي المهدد بالإفلاس وصاحب الرأي المقموع، ينخرها الفقر والجوع وإنحدار المقدرة الشرائية…تعليمها يحتضر وبنيتها الأساسية جد متدهورة ومنظومتها الإجتماعية منهارة… مديونيتها عالية،
  • وعجزها التجاري مخيف وسيادتها الطاقية إنتقلت إلى الرفيق الأعلى… رياضتها في أحلك فتراتها وثقافتها أصبحت من الذكريات وشبابها محبط… العنف والجريمة في أعلى المستويات والمستقبل لا يبشر بخير،
    بين هاته الدولة وتلك هوّة عميقة وفجوة تتوسع يوما بعد يوم وتُحدِث شرخا غائرا داخل المجتمع يكاد يعصف بوحدته وإستقراره وأمنه ولا بدّ من إستفاقة عاجلة لرءب الصدع وإنقاذ ما تبقى من الجمهورية ولن يتم ذلك إلا بإعلاء القانون ورفع المظالم وإستكمال البنية المؤسساتية الدستورية للدولة بما يضمن للمواطنين العدالة والمساواة والتنمية الشاملة ويحفظ حقهم في الحرّية والمشاركة في رسم مستقبل بلادهم في مناخ آمن ومنفتح،
    حان الوقت لنبذ الحقد والتخلي عن منطق الإنتقام وتوحيد الجهود لإرساء أرضية عمل مشتركة بين الفاعلين في الفضاء العام خدمة للجمهورية المدنية،
    حان الوقت، بل تأخر للمرور إلى تجسيم مخططات وإستراتيجيات الإنقاذ الاقتصادي والمالي وإجراء الإصلاحات الهيكليّة الضرورية للإقلاع نحو غدٍ نريده أن يكون مشرقًا،
    هذه رسالتي لأولي الألباب في هذا الوطن العزيز،
    وفي النهاية لا تهم المدة التي سأقضيها داخل معتقلات السلطة… المهم أن ضميري مرتاح وكلمتي حرّة والأهم أن أكون دوما عنصر توازن داخل المشهد السياسي وقوة دفعٍ نحو إعلاء المصلحة العليا للبلاد.
  • الإمضاء
  • عبير موسي

شارك رأيك

Your email address will not be published.