غزو اسراب الجراد اثر تقلبات مناخية و أمطار غير معتادة في المجال الصحراوي، رأي مختص في البيئة

-بقلم حمدي حشاد*
“وقت نشوفوا الفيديو هذا لسرب الجراد الصحراوي وهو يغطي السماء والأرض في مناطق من الصحراء الغربية والجنوب الغربي لشمال إفريقيا، أول ردّة فعل تكون الدهشة لكن في الحقيقة المشهد هذا موش مفاجئ علمياً، بل هو نتيجة مباشرة لما عاشته المنطقة خلال الأشهر الأخيرة من تقلبات مناخية وأمطار غير معتادة داخل المجال الصحراوي.


الجراد الصحراوي يعيش عادة في مناطق قاحلة جداً وفي أعداد محدودة، لكن عند حدوث أمطار في الصحراء تتغير المعادلة بالكامل. الأرض التي كانت جافة تصبح فجأة مغطاة بنباتات موسمية، والتربة الرطبة تتحول إلى فضاء مثالي لوضع البيوض و خلال أسابيع قليلة فقط تبدأ دورة تكاثر سريعة جداً، ويتحوّل الجراد من حشرة منفردة إلى كائن اجتماعي يتحرك في أسراب قد تضم ملايين الأفراد هذه المرحلة يسمّيها العلماء “الطور الجماعي” Desert Locust outbreak، وهي أخطر مراحل الجراد على الإطلاق.
الأمطار التي شهدتها مناطق واسعة من شمال إفريقيا خلال الفترة الأخيرة من موريتانيا إلى الصحراء الغربية وجنوب المغرب وأجزاء من الجزائر — لعبت دور المحرك الأساسي لهذه الظاهرة. نفس المنخفضات الجوية والعواصف المتوسطية التي جلبت الرطوبة والانتعاش النباتي داخل الصحراء هي التي خلقت الظروف المثالية لانفجار أعداد الجراد. هنا نفهم أن الظواهر المناخية لم تعد منفصلة المطر يمكن أن يكون نعمة زراعية في البداية، ثم يتحول لاحقاً إلى عامل ضغط بيئي وغذائي.
تغير المناخ لا يصنع الجراد في حد ذاته، لكنه يغيّر إيقاع الطبيعة و النسق المعتاد للتوازن ، اليوم نشهد فترات مطرية أكثر فجائية داخل مناطق صحراوية، يليها نمو نباتي سريع، ثم انفجارات بيولوجية مثل الجراد. العلماء يسمّون هذه الظاهرة “اخضرار الصحراء المؤقت”، وهي أصبحت أكثر تكراراً خلال السنوات الأخيرة بسبب اضطراب أنظمة الطقس في الحوض المتوسطي وشمال إفريقيا.

السؤال الذي يهم تونس بطبيعة الحال هو هل يمكن أن تصل هذه الأسراب إلينا؟ تاريخياً، مسارات الجراد في المنطقة معروفة عندما تتوفر رياح جنوبية أو جنوب غربية قوية خلال الربيع، يمكن للأسراب أن تتحرك من غرب الصحراء نحو الجزائر ثم الجنوب التونسي فليبيا. هذا لا يعني بالضرورة غزواً وشيكاً، لكنه يضعنا في مرحلة يقظة ومراقبة، خاصة في مناطق مثل تطاوين وقبلي ومدنين حيث تبقى الظروف البيئية قابلة لاستقبال أسراب عابرة.
اللافت أن الأمطار التي فرح بها سكان شمال إفريقيا خلال الشتاء الحالي والتي ساهمت في تحسين الموارد المائية والغطاء النباتي قد تكون في نفس الوقت جزءاً من سلسلة من التأثيرات غير المباشرة للتقلبات المناخية و المناخ اليوم لا يقدم ظاهرة واحدة، بل سلسلة مترابطة من الأحداث: عواصف، أمطار، نمو نباتي سريع، ثم مخاطر بيولوجية جديدة.
الفيديو إذن لا يروي فقط قصة جراد في منطقة بعيدة، بل يعكس تحوّلاً أعمق في ديناميكية المناخ الإقليمي و هنا نحن أمام مناخ أكثر حركة، أكثر تطرفاً، وأسرع في خلق ردود فعل داخل الأنظمة الطبيعية. وهذا يذكّرنا بأن التكيّف المناخي في تونس لم يعد يقتصر على التعامل مع الفيضانات أو موجات الحرارة فقط، بل أصبح يشمل أيضاً مخاطر بيئية ناشئة مثل الجراد، الأمراض النباتية، والتغيرات المفاجئة في التوازنات الإيكولوجية.

*حمدي حشاد، مهندس بيئي

شارك رأيك

Your email address will not be published.