“حين تتحوّل الطريق إلى قدرٍ أعمى
بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى زميلاً عزيزاً خطفته الطريق في لحظةٍ لم يكن فيها إلا عائداً إلى بيته، حاملاً تعب يومٍ من خدمة العدالة، ومحمّلاً بحلمٍ بسيط: أن يصل.لكن الطريق في بلادنا لم تعد وعداً بالوصول… بل احتمالاً للفقد.نودّعه اليوم لا كرقمٍ جديد في سجلّ الحوادث، بل كوجهٍ نعرفه، وصوتٍ ألفناه، وضميرٍ قضائيٍّ شهدنا له بالنزاهة والهدوء والاتزان. كان يمشي بيننا مطمئنّاً، يؤمن بالقانون، ويثق في النظام، قبل أن تعترضه فوضى السرعة، واستخفاف الرقابة، وغياب الرؤية.هذا النعي ليس بكاءً فقط.إنه تذكير مكثّف بأن طرقاتنا تبتلع كل عام أكثر من ألف روح، وأن كلفتها لا تُقاس فقط بالمليارات التي تستنزفها من اقتصادٍ مثقل، بل بالفراغ الذي تتركه في البيوت، وبالأم التي تنتظر، وبالطفل الذي لن يفهم لماذا تأخّر أبوه إلى الأبد.ننعاه… ونذكّر بأنّ السلامة ليست شعاراً موسمياً، ولا حملة عابرة، بل سياسة دولة، ورؤية، ومحاسبة.ننعاه… ونذكّر بأنّ الأرواح ليست أرقاماً، وأن الطريق ليست قدراً أعمى إن وُجدت إرادة.
رحم الله فقيدنا، وجعل من رحيله جرس إنذارٍ لا يُؤجَّل، وصرخةً في وجه اللامبالاة.فلعلّ موتاً واحداً يوقظ وطناً، ويعيد للطرقات معنى الأمان.!”.
منقول عن صفحة Mourouj City
وانتقل القاضي سليم المديني إلى رحمة الله اليوم إثر حادث مرور عن عمر ستة وأربعين عامًا، حادث موجع يعيد بقوة طرح ملف الفوضى الخطيرة التي أصبحت تميز الطرقات في تونس، وخاصة ما يتعلق بالسياقة المتهورة لسائقي التاكسي الجماعي داخل مناطق العمران وفي الطرقات الكبرى، فصور الحادث وحجم الأضرار تعطي مؤشرات واضحة على الإفراط في السرعة، وهو أمر لم يعد مجرد خطأ عابر بل سلوك خطير كنا نبهنا منه مرارًا وتكرارًا لأن ما يقوم به بعض سائقي النقل الجماعي في تونس الكبرى أصبح أشبه بإرهاااااب الطريق ، لا حسيب ولا رقيب وكأنهم لا يخافون من القانون ولا من الدولة، سيارات كثيرة تسير دون شروط السلامة وسائقون يتهورون بالسرعة ويخالفون جميع قوانين المرور حتى وصل الأمر إلى السير في الاتجاه المعاكس داخل الطريق السيارة وعلى مرأى من الكاميرات المركزة هناك، والمشكل أن النقل الجماعي في حقيقته ليس ملك شخص واحد بل هو قطاع تسيطر عليه شركات يملك كل صاحب منها أسطولًا كبيرًا من السيارات يتجاوز العشرات، والسائقون في بعض الحالات يتصرفون بعقلية العصابات، وقد أصبح الأمر معروفًا لدى الناس إلى درجة أن بعض السائقين أنفسهم يقولون إن المسؤولين يعلمون بما يحدث ولكن لا يقع ردع حقيقي، وهنا تطرح أسئلة جدية حول كيف يمكن لسيارات نقل جماعي أن تتجول ولديها مئات الخطايا المرورية ومع ذلك تواصل نشاطها بشكل عادي وتتحصل كل سنة على الوثائق اللازمة، بينما الجميع يعرف الحوادث الخطيرة التي تسببوا فيها عبر السنوات، وهو ما يعيد النقاش ليس فقط حول المسؤولية بل حول التكييف القانوني للفعل عندما يتحول التهور المتواصل والسرعة المفرطة داخل مناطق مأهولة إلى سلوك يعلم صاحبه نتائجه المحتملة، فالسائق المحترف يدرك أن الاصطدام في مثل هذه الظروف قد يفضي إلى الموت ومع ذلك يواصل القيادة بنفس الطريقة، وهنا يظهر النقاش القانوني حول تطور الخطأ التقصيري وتحوله في بعض الحالات إلى ما يقارب القصد الجنائي، وهو نقاش عرفه فقه القضاء المقارن منذ زمن خاصة مع بداية انتشار العربات البرية، واليوم ومع تكرر المآسي يصبح من الضروري أن تتحرك الدولة بصرامة لأن استمرار هذا الوضع يعني أن الطرقات أصبحت فعلاً بلا قانون، وإذا كان البعض يبرر بكون النقل الجماعي يخفف أزمة النقل فهذا لا يمكن أن يتحول إلى حصانة أو نفوذ فوق القانون لأن الكارثة الحقيقية هي عندما يخاف المسؤولون من فرض النظام، لذلك يتجدد النداء إلى أعلى هرم في الدولة وإلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد للتدخل الجدي في هذا الملف ووضع حد للفوضى التي أصبحت تهدد سلامة كل مستعمل للطريق قبل أن تتحول هذه الحوادث المتكررة إلى واقع أخطر يدفع ثمنه المواطنون الأبرياء كل يوم.



شارك رأيك