تتابع جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات باهتمام بالغ تطورات الأزمة البيئية المتفاقمة في ولاية قابس جرّاء استمرار أنشطة الوحدات الصناعية الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي التونسي. وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الابتدائية بقابس، بتاريخ 26 فيفري 2026، حكمها في الدعوى الاستعجالية التي رفعها الفرع الجهوي لنقابة المحامين بقابس ضدّ المجمع الكيميائي التونسي أواخر شهر أكتوبر الماضي، وقضت برفض طلب وقف النشاط الصناعي، مستندةً إلى حجة “عدم ثبوت الضرر”.
إن هذا التعليل يتجاهل معطيات ثابتة وموثقة تؤكد حجم التلوث والانبعاثات الخطيرة الصادرة عن وحدات المجمع. كما يتغافل عن تقرير التدقيق المنجز في جويلية 2025 والمنشور على الموقع الرسمي للمؤسسة. الذي أقر بوجود اخلالات جسيمة وعدم مطابقة عدد من الوحدات للمعايير البيئية التونسية. فضلا عن حالات الاختناق المتكررة في صفوف التلاميذ منذ سبتمبر 2025 واستمرار انبعاث الغازات السامة والدخان وما رافق ذلك من تفشي أمراض خطيرة وتضرر الغطاء النباتي والحيواني وخليج قابس ومصادر رزق البحارة.
وتعتبر جمعية تقاطع أن هذا الحكم يمثّل تراجعًا خطيرًا في منظومة حماية البيئة والصحة العامة، وتجاهلًا فاضحًا للوقائع الموثّقة، لا سيما تفشّي ظاهرة التلوّث البيئي في ولاية قابس، وتواصل انبعاث الغازات السامّة والأدخنة الكثيفة من وحدات المجمع الكيميائي، وتسجيل حالات اختناق يومية في صفوف السكان والتلاميذ منذ أواخر السنة المنقضية، فضلًا عن اعتراف السلطة التنفيذية ذاتها بحجم الكارثة البيئية التي تعيشها الجهة.
كما ترى الجمعية أن هذا القرار لا يمثّل مجرّد إخفاق قضائي معزول، بل يكرّس صراحةً منطق الإفلات من المساءلة، ويؤثر المصالح الصناعية والتجارية على حساب حياة المواطنين وحقوقهم الأساسية في العيش في بيئة سليمة. وهو بذلك يُعدّ انتهاكًا للحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في بيئة آمنة، كما كفلتها المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس، وفي مقدّمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتؤكد الجمعية أن هذا الحكم يشكّل امتدادًا لاستمرار الأزمة البيئية، خاصةً عند قراءته في ضوء الدستور التونسي لسنة 2022 الذي يقرّ صراحةً بعدم التعارض بين التنمية الاقتصادية والبيئة السليمة، إذ تنصّ توطئته على أن “تكون التنمية الاقتصادية والاجتماعية مستمرة دون تعثّر أو انتكاس في بيئة سليمة تزيد تونس الخضراء اخضرارًا من أقصاها إلى أقصاها، فلا تنمية مستمرة دائمة إلا في بيئة سليمة خالية من كل أسباب التلوث”.
فضلًا عن ذلك، يُلزم الفصل السابع والأربعون من الدستور الدولة صراحةً بضمان الحق في بيئة سليمة ومتوازنة، والمساهمة في سلامة المناخ، وتوفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي. وما صدر من حكم اليوم لا يمثّل إلا نقيضًا لهذا الالتزام الدستوري.
وتعتبر الجمعية أن ما يزيد هذا الحكم خطورة هو ازدواجية المعايير الواضحة بينه وبين الأحكام الصادرة ضد الناشط البيئي خير الدين دبية، ومن معه من المواطنين الاثنا عشر. الذين تم الحكم عليهم بسنة سجن بسبب تجمع سلمي ومطالبتهم بالإغلاق الفوري لما بات يُعرف لدى الأهالي بـ”مجمع الموت”. في مقابل رفض مساءلة المجمع بدعوى عدم ثبوت الضرر، وهو ما يعكس انقلابا في الأدوار حيث يتحول الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية
وعلى هذا الأساس، تُعرب جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات عن رفضها القاطع لهذا الحكم، وتؤكد وقوفها الراسخ إلى جانب أهالي قابس في مواصلة نضالهم القانوني والحقوقي دفاعًا عن حقهم في بيئة سليمة وحياة كريمة. كما تطالب الجمعية بمحاسبة جميع الجهات المسؤولة عن عقود من التلوث الممنهج وما خلّفه من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، لا سيما حق السكان في الصحة، والماء النظيف، والهواء النقي”.
………………..
للتذكير: “رفضت المحكمة الابتدائية بقابس القضية الاستعجالية الرامية إلى إيقاف نشاط الوحدات الملوِّثة التابعة لـالمجمع الكيميائي التونسي بقابس، وذلك لعدم ثبوت الضرر بشكل يستوجب التدخل الفوري.
وأوضح رئيس الفرع الجهوي للمحامين بقابس، منير العدوني، أن المحكمة اعتبرت أن إثبات الضرر يقتضي إجراء اختبارات علمية وفنية معمقة، وهو ما لا يتماشى مع طبيعة القضايا الاستعجالية التي تتطلب توفر عنصر الخطر الداهم والثابت وأضاف المصدر ذاته أنه سيتم استئناف القرار، إلى جانب مواصلة القضية في الأصل، في إطار التتبعات القانونية الجارية.
ويأتي هذا القرار في سياق الجدل المتواصل بشأن الانعكاسات البيئية لنشاط الوحدات الصناعية بالجهة، في انتظار ما قد تسفر عنه المسارات القضائية أو الفنية اللاحقة”.



شارك رأيك