طلع علينا سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل خلال محاورة صحفية ليقول ما يهمس به رؤساؤه الذين لم يكذبوه. قال ان الله منح أرض الميعاد لشعب إسرائيل التائه وهي تقع بين النيل و الفرات و تمسح فلسطين التاريخية و الأردن و سوريا و العراق و لبنان و شمال السعودية و الجزء الأكبر من مصر. و قبل ذلك كان له تصريح لتوصيف الحرب على غزة بكونها حربا دينية.
سعيد بحيرة *

و هذا الرجل ممثل رسمي لدولة عظمى و تفترض خطته شيئآ من التحفظ و الرصانة لكنه بدا بهذه التصريحات منفلتا مارقا و استفزازيا. فهل تم تكليفه بمهمة لمعرفة ردود الفعل؟ أم هو على دراية بما تقوله قيادة بلاده في الخفاء مما نزع عنه الحرج و الحذر؟
و لنا ان نتصور مثلا أن سفير مصر أو السعودية في الولايات المتحدة يصرح بأن دولة إسرائيل غير شرعية و هي كيان مارق لا يحترم القوانين الدولية و لا المواثيق المنظمة للعلاقات بين الدول. فهل سيمر تصريحه مثلما مر تصريح مايكل هكبي؟
و لنا ان نتصور أن سياسيا عربيا يقول أن الله يدعونا للجهاد و أن اليهود ناكثي العهود و أن شعب إسرائيل ليس إلا لمامة تجمعت من أصقاع شتى لتحتل أرضا و تهجر شعبها و تتوحش في أساليب ترهيبه و قتله. لا شك أن القيامة ستقوم لنعت ذلك السفير بالارهابي المتعصب المعادي للسامية و لطرده دون تأخير بعد تقديم الاعتذار.
هذا ما دأبنا على نعته بالكيل بمكيالين.
دول قائمة يراد محوها من الخريطة
لكن الكيل طفح هذه المرة بعد أن تجرأ مرشح سابق لانتخابات الرئاسة الأمريكية على اعتماد الأساطير الدينية التوراتية لتشخيص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي و للتعبير عن استخافه بدول قائمة يريد محوها من الخريطة ليحل محلها شعب الله المختار.
و متى كان الله يرسم حدود الدول و يهب الأراضي و يقر ترتيبا تفاضليا للشعوب؟
إن تساؤلاتنا و افتراضاتنا لا تخرج عن النهج الاستفزازي لذلك السفير، و هو القس المسيحي الصهيوني الذي عينه ترامب سفيرا في إسرائيل ليكون كالسمكة في الماء إلى جانب عتاة التطرف و العنصرية من نتنياهو إلى بن فقير. هؤلاء الذين يصفون العرب بالحشرات و بالحيوانات التي تقف على قائمتين و يطالبون بسحق أهل غزة بالقنبلة النووية. و هم أيضا الذين صاغوا سنة 2018 ما يشبه دستورا لدولة إسرائيل و أعلنوها دولة يهودية ليس لها حدود في انتظار استرجاع كل الأرض الموعودة. فلماذا نستكثر على داعش رسمها لحدود الخلافة؟
إمعان في تحدي شعوب المنطقة
و قبل ذلك بسنوات كان المرحوم ياسر عرفات يندد بخارطة إسرائيل الكبرى المرسومة على الشيكل الإسرائيلي و هو ما ينافي بل يلغي اتفاقية أوسلو و حتى اتفاقيات كامب ديفيد و وادى عربة و لذلك قتلوه على مرأى و مسمع من العالم. كما سبق لنتنياهو أن أشهر خريطة إسرائيل الكبرى من على منبر الأمم المتحدة. فهل عدنا إلى دبلوماسية المدفع التي مارستها أوروبا الديمقراطية أيام توسعها الاستعماري؟ و هل أخذت عليها المشعل الولايات المتحدة الأمريكية ليعلن رئيسها أنه سيفرض السلام بالقوة في أي بقعة من العالم؟ و هو ما يذكرنا بصولاتها الامبريالية منذ مئة عام عندما أرسلت أسطولا من السفن الحربية إلى إمبراطور اليابان سنة 1853 بقيادة الكومودور ماتيو باري لتدعوه للانفتاح التجاري، و حمل الكومودور معه صندوقا من الخشب الرفيع النادر يحتوي على رسالة الرئيس الأمريكي و على قطعة قماش بيضاء مثلثة الشكل سيرفعها اليابان معلنا الاستسلام لو رفض الدعوة الأمريكية.
و بالأمس تجرأ سفير الولايات المتحدة الأمريكية على تنظيم خدمات قنصلية في إحدى مستعمرات الضفة الغربية و الحال أنها غير شرعية ناهيك عن أعمال المستوطنين الهمجية ضد الفلسطينيين. و ليس ذلك سوى إمعانا في تحدي شعوب المنطقة و إصرارا على مشروع إسرائيل الكبرى.



شارك رأيك