أمور بيئية : تغيير لون السماء الى الأصفر أو البرتقالي، حمدي حشاد على الخط… (فيديو)

تطرق حمدي حشاد المهندس البيئي اليوم الأحد 1 مارس 2026 الى تغير لون السماء الى الأصفر أو البرتقالي، ظاهرة تكررت خلال السنوات الأخيرة و ستعود خلال مارس الجاري، وفق التدوينة التي أنزلها بأسلوبه السلس و المبسط على صفحات التواصل الإجتماعي، موثقا إياها بخريطة تعكس الديناميكية المناخية بالمنطقة. أكثر تفاصيل في ما يلي:

“الخريطة هاذي تعطي جواب لسؤال علاش السماء لونها يتغير الي الاصفر او البرتقالي أحياناً المشهد يتكرر أكثر في السنوات الأخيرة و هذا بش نشوفوه الأيامات الجاية في بداية مارس، لكن ما نراه اليوم ليس مجرد غبار عابر، بل جزء من ديناميكية مناخية كبيرة تربط الصحراء الكبرى بحوض البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى أوروبا.

الغبار الصحراوي ينطلق أساساً من مناطق واسعة في الصحراء الكبرى، خاصة جنوب تونس، الجزائر، ليبيا وشمال مالي. عندما يتشكل منخفض جوي قوي غرب المتوسط، تبدأ تيارات جنوبية دافئة في سحب كتل هوائية جافة محمّلة بجزيئات الغبار نحو الشمال و في ساعات قليلة فقط، يمكن لذرات رمل انطلقت من عمق الصحراء أن تعبر تونس، تمر فوق صقلية، ثم تصل إلى إيطاليا وفرنسا وحتى شمال أوروبا.

تونس غالباً تكون في قلب هذا المسار. أحياناً كممر عبور، وأحياناً كمصدر ثانوي للغبار عندما تكون التربة جافة والغطاء النباتي ضعيف. لذلك نشاهد السماء المغبّرة، انخفاض جودة الهواء، وأحياناً ترسبات غبارية واضحة فوق السيارات والمباني أو حتى أمطار ممزوجة بالغبار.

لكن لفهم الصورة بالكامل، لازم نرجع إلى الإطار المناخي الأوسع. منطقة البحر الأبيض المتوسط مصنفة من طرف Intergovernmental Panel on Climate Change كواحدة من أهم المناطق الساخنة مناخياً في العالم، أي منطقة تتأثر بالتغيرات المناخية بوتيرة أسرع من المعدل العالمي. مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية، التربة تصبح أكثر جفافاً، فترات الجفاف تطول، والغطاء النباتي يضعف تدريجياً، وهو ما يجعل سطح الأرض أكثر قابلية لإطلاق الغبار مع كل هبة رياح قوية.

هذا لا يعني أن كل عاصفة غبار سببها التغير المناخي مباشرة، فالظاهرة طبيعية ومعروفة تاريخياً لكن الي تغير فعلاً هو تواتر الظروف التي تسمح بحدوثها ببساطة، المسرح المناخي أصبح أكثر استعداداً لإنتاج هذه الأحداث ، الأقمار الصناعية اليوم تتيح لنا رؤية هذه الديناميكية بوضوح غير مسبوق و بيانات Copernicus Atmosphere Monitoring Service تظهر بانتظام سحب غبار تمتد آلاف الكيلومترات عبر المتوسط من الصحراء الى اوروبا و المحيط الأطلسي ، في مشاهد تؤكد أن ما يحدث فوق الصحراء لا يبقى محصوراً فيها، بل يتحول إلى ظاهرة عابرة للقارات خلال أقل من 48 ساعة.

الغبار الصحراوي ماهوش حدثاً بصرياً صحياً، يؤدي إلى ارتفاع تركيز الجسيمات الدقيقة في الهواء، ما يؤثر على الجهاز التنفسي خاصة لدى الفئات الحساسة و بيئياً، يحمل معه عناصر معدنية مثل الحديد والفوسفور التي تسقط لاحقاً في البحر المتوسط وتؤثر في الإنتاج البيولوجي البحري. وحتى في مجال الطاقة، تتسبب طبقات الغبار الدقيقة في خفض مردودية الألواح الشمسية، وهو تحدٍ متزايد في منطقة تراهن بقوة على الطاقة الشمسية مثل تونس.

ما نراه إذن هو تذكير واضح بأن المناخ لم يعد محلياً صحيح رياح واحدة يمكن أن تربط الصحراء بتونس، وتونس بأوروبا، في سلسلة من التفاعلات الجوية المتصلة و الغبار الذي يلوّن السماء اليوم هو جزء من نظام مناخي متغير، حيث أصبحت الحدود الجغرافية أقل أهمية أمام حركة الغلاف الجوي المشترك الذي نتقاسمه جميعاً”.

*حمدي حشاد

شارك رأيك

Your email address will not be published.