مقرين-الرياض: انتحر محمد بلخير تلميذ الباكالوريا و بطل الجيدو قهرا، نعي الماطري صميدة

خبر انتحار محمد بلخير ترك بمقرين الرياض لوعة لدى كل من عرفه. محمد الماطري صميدة ينعى في ما يلي هذا الذي كان بطلا، بطل تونس للجيدو، تلميذ لم يتجاوز ال18 عاما… قرر ذات مساء الثلاثاء وضع حد لحياته:

“خلّفَ انتحاره اللوعة والأسى
بطلٌ على بساط الجيدو… مهزومٌ أمام قسوة الحياة!

“لم يكن محمد بلخير مجرد شاب في الثامنة عشرة من عمره ولم يكن رقما عابرا في نشرات الأخبار.
كان بطلا تونسيا في رياضة الجيدو يحمل في قلبه طموحا أكبر من الحيّ الذي يسكنه وأحلاما أوسع من القاراج الذي احتمى به مع والده بعد أن خطف حادثُ قطار أمَّه قبل عامين.
“منذ ذلك اليوم تغيّر كل شيء…صار الابنُ البالغ من العمر 18سنة سندا لأبيه وصار البيت الضيّق عالما كاملاً من المسؤولية الثقيلة.
في الليلة الأخيرة-كما حدثني جاره صديقي العزيز فاعل الخير بلحسن الذوادي- لم يكن في المشهد ما يوحي بالعاصفة… طبخ لوالده الشربة والبريك كأنّه يكتب وصيّة حنان أخيرة بصمت.
أفطر معه بعد يوم من الصوم صلّى التراويح ثم قال بهدوء: “سأنام باكرا عندي امتحان في الباكالوريا.” …كان يُتقن دور الابن المجتهد حتى اللحظة الأخيرة… لكن خلف ذلك الهدوء كانت حرب لا تُرى تدور في داخله.
كتب رسالة النهاية نشرها على صفحته ثم اختار أن يعلّق جسده في النافذة حيث لم تستطع الحياة أن تُبقي روحه معلّقة بالأمل…بطلٌ اعتاد أن يُصارع خصومه على البساط سقط أمام خصم لا يُرى: الفقر…الوحدة…الضغط…وتلك العتمة التي تتسلل إلى القلب دون استئذان.
الخبر هزّ الحيّ…هزّ المدينة…وربما هزّ ضمائر كثيرة….كيف لشاب في مقتبل العمر…متفوّق رياضيا…مقبل على امتحان الباكالوريا أن يصل إلى حافة لا عودة منها؟
كم من محمد آخر يمشي بيننا مبتسما بينما داخله يتداعى بصمت؟
ليست القصة قصة انتحار فحسب بل قصة هشاشة اجتماعية وقسوة واقع وغياب يد تمسك بيد شاب قبل أن يسقط.
الأبطال لا يموتون فقط في ساحات المعارك بل أحيانا يموتون في غرف ضيّقة بصمت موجع لأن الحياة كانت أثقل من طاقتهم.
رحم الله محمد بلخير وغفر له وألهم والده الصبر…ويبقى السؤال معلقا في الهواء: كم بطلا آخر يجب أن نخسره قبل أن نتعلم كيف نصغي…كيف نحتضن…وكيف ننقذ من يمكن إنقاذه؟
حزينا أقول هذا …!
لم يمت محمد وحده تلك الليلة بل مات شيء فينا جميعا. ماتت ضحكةُ شاب كان يُصارع على بساط الجيدو ويحلم بأن يصارع الحياة وينتصر وماتت يدٌ كانت تطبخ الشربة لوالدها قبل أن تكتب رسالة الوداع!
أيُّ وجع ذاك الذي يجعل ابنا يودّع أباه بصمت مدروس ويغلق الباب كأنه ذاهب إلى امتحان بينما هو ذاهب إلى غياب أبدي؟ أيُّ ثقل حمله قلب في الثامنة عشرة حتى عجزت عنه الأيام والليالي؟
يبقى القاراج أضيق من أن يحتمل هذا الفراغ ويبقى الأب أمام صحن لم يبرد بعد يسأل الجدران: لماذا؟
رحل محمد وبقيت رسالته كجرح مفتوح في صدر الحيّ تذكّرنا بأن بعض الأبطال لا يسقطون لأنهم ضعفاء بل لأنهم تعبوا من القتال وحدهم… دون سند دون حضن دون أمل يُمسك بأطراف أرواحهم قبل أن تنفلت!”.

شارك رأيك

Your email address will not be published.