“اليوم يمكن أن نتابع ما يحدث في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بمنطق تبادل القصف وتحقيق النقاط العسكرية أو السياسية، حيث يحاول كل معسكر أن يسجل تقدماً على حساب الآخر و وسط تعاطف شعبي تونسي كبير مع ايران، هنا لكن في خضم هذا النقاش الجيوسياسي والعسكري، هناك نقطة غالباً ما تمر في الخلفية ولا يقع التطرق إليها كثيراً، وهي البصمة الكربونية للحرب والتداعيات البيئية المحتملة لمثل هذه الصراعات و هذاكة علاش حبيت نحكي عليها في البوست هذا .
الحروب لا تخلّف فقط خسائر بشرية ودماراً عمرانياً، بل تنتج أيضاً انبعاثات كربونية ضخمة وتأثيرات بيئية قد تستمر لسنوات طويلة و ممكن أحد الأمثلة المباشرة على ذلك هو ما يحدث حالياً في طرق التجارة البحرية ، فبسبب التوترات الأمنية في البحر الأحمر والهجمات التي طالت السفن التجارية في محيط باب المندب، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز، بدأت شركات شحن عالمية كبرى مثل Maersk وMSC وHapag-Lloyd وCMA CGM في تغيير مسارات عدد من سفنها التجارية فما تقارير نشرتها وكالة Reuters ( تلقاوها في التعليقات) تشير إلى أن العديد من السفن أصبحت تتجنب المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس وتختار بدلاً من ذلك الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا.
هذا التحول في المسار البحري ليس مجرد تعديل تقني، بل يعني عملياً زيادة كبيرة في المسافات المقطوعة و بتالي في تكلفة الشحن و كمية الانبعاثات الكربونية فمثلاً، الرحلة بين شنغهاي وهامبورغ تصبح أطول بحوالي ستة آلاف ميل بحري عندما تمر عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضيف عادة ما بين خمسة عشر وعشرين يوماً إلى مدة الرحلة و بالطبع المسافات الأطول تعني استهلاكاً أكبر للوقود وبالتالي انبعاثات كربونية إضافية.
وفق تقديرات نشرها موقع التحليل اللوجستي Dockflow ( الرابط في التعليقات) فإن تغيير المسار من قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح يمكن أن يرفع الانبعاثات الكربونية للرحلة الواحدة بحوالي 38%، وقد تضيف سفينة حاويات كبيرة ما يقارب 4.3 مليون كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالمسار التقليدي عبر السويس.
تحليل آخر صادر عن مؤسسة Sea-Intelligence المتخصصة في تحليل سلاسل الإمداد أشار إلى أن تحويل مسارات السفن بسبب أزمة البحر الأحمر و تحرش مجموعة الحوثي بسفن العابرة للمضيق أدى في بعض الخطوط التجارية إلى زيادة الانبعاثات بنسبة تصل إلى 45% نتيجة المسافات الأطول و زيد لقيت دراسة اخرى بينت دراسة نُشرت عبر منصة ScienceDirect أن تحويل مسارات عدد محدود من سفن شركة Maersk فقط قد تسبب في انبعاثات إضافية قدرت بحوالي 44 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون خلال فترة قصيرة نسبياً.
لكن التأثير البيئي للحروب لا يقتصر على النقل البحري فقط بل هناك مجال بحثي متنامٍ يعرف باسم Military Carbon Footprint يحاول قياس الانبعاثات الناتجة مباشرة عن الأنشطة العسكرية و تحليل نشرته مجلة Physics World يشير إلى أن الجيوش في العالم مسؤولة مجتمعة عن حوالي 5.5% من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة. ولو اعتُبرت الجيوش ككيان واحد، لكانت ضمن أكبر مصادر الانبعاثات في العالم.
فما أمثلة حديثة توضح حجم هذه الظاهرة فدراسة حول الحرب في أوكرانيا نشرتها منصة Earth.org قدرت أن الانبعاثات المرتبطة بالحرب خلال السنوات الثلاث الأولى بلغت حوالي 230 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهي كمية تعادل الانبعاثات السنوية لدول كاملة. كما أشارت تقارير نشرتها صحيفة The Guardian إلى أن الانبعاثات الناتجة عن العمليات العسكرية وإعادة الإعمار في مناطق النزاع قد تصل إلى عشرات أو حتى مئات ملايين الأطنان من الكربون عند احتسابها على المدى الطويل.
هذه الانبعاثات تأتي من مصادر متعددة، منها استهلاك الوقود في الطائرات الحربية والسفن العسكرية والدبابات والمركبات الثقيلة، إضافة إلى تصنيع الأسلحة والذخائر، والحرائق والانفجارات الناتجة عن العمليات القتالية، ثم لاحقاً عمليات إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية المدمرة.
ومع ذلك يبقى قياس البصمة الكربونية للحروب أمراً معقداً. فقد أشار تحليل صادر عن European Centre for Development Policy Management (ECDPM) إلى أن كثيراً من الانبعاثات العسكرية لا يتم الإبلاغ عنها بشكل كامل في التقارير المناخية الدولية، لأن الأنشطة العسكرية غالباً ما تكون محاطة بدرجة عالية من السرية أو مستثناة جزئياً من التزامات الإفصاح.
لهذا السبب يرى عدد متزايد من الباحثين أن الأرقام المتوفرة حالياً حول الانبعاثات العسكرية هي على الأرجح أقل من الواقع. وربما مع تزايد الأزمات الجيوسياسية واضطراب طرق التجارة العالمية، سيصبح النقاش حول العلاقة بين الحروب والتغير المناخي والبصمة الكربونية للنزاعات المسلحة أكثر حضوراً في النقاشات العلمية والسياسية في السنوات القادمة”.
*حمدي حشاد



شارك رأيك