غادرنا صباح اليوم السبت استاذ القانون الدستوري والعميد السابق لكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، الاستاذ الصادق بلعيد عن سنّ 87 سنة.
عادل بن يوسف

لم أعرف الفقيد عن قرب خلال فترة دراستي بتونس لكونه كان حينها قد غادر عمادة الكلية عندما كان شقيقي يدرس بها الحقوق للتفرغ لتأطير طلبة المرحلة الثالثة في القانون العام بتونس: شهادات الدراسات المعمقة والدكتوراه وملفات التأهيل الجامعي وإدارة مخبر البحث العلمي الذي كان يرأسه وتقديم المحاضرات الأكاديمية بكلّيته وكبرى كليات الحقوق ومراكز البحث العلمي بتونس وفرنسا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية…
لكن بعد سنة 2011 عاد اسم الأستاذ الصادق بلعيد من جديد على الساحة العامة إثر الشغور الحاصل في أعلى هرم السلطة بتونس إثر مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي البلاد عشيّة 14 جانفي 2011 في اتجاه مدينة جدّة بالممللكة العربية السعودية.
وعلى إثر الخلاف الذي تفاقم منذ أواخر سنة 2021 بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية اتصلت به قصد محاورته في برنامجي الاذاعي “شهادات حيّة” بإذاعة المنستير فرحّب بي يوم الأربعاء 30 مارس 2022 استقبلني بحفاوة مع فريق البرنامج ببيته في ضاحية مرناق الجميلة جنوب العاصمة حيث سجّلت له ثلاث حلقات كاملة، استعرض خلالها مسيرته الطويلة، بدءا بنشأته ودراسته الابتدائية بالقلعة الكبرى ثم الثانوية بالمدرسة الصادقية فالعليا بالسربون، مرورا بمسيرته المهنية في عديد المواقع العليا في التعليم العالي والبحث العلمي، وصولا إلى الخلاف القائم بين رأسي السلطة التنفيذية والأجواء داخل مجلس نواب الشعب والحلول الكفيلة لخروج البلاد من هذا المأزق الدستوري. وقد بثّت هذه الحلقات الثلاث أيام الأحد 3 و 10 و 17 أفريل 2022.
وتعميما للفائدة ارتأيت من الضروري التعريف بمسيرة فقيد الجامعة التونسية وتونس للأجيال الحالية التي لا تعرفه ولم يسبق لها الاطلاع على كتاباته ومواقفه.
النشأة والدراسة والتفوّق
ولد الأستاذ الصادق بلعيد يوم 2 مارس 1939 بالقلعة الكبرى وسط أسرة وطنية دستورية ميسورة حيث كان والده معلما ومالكا عقاريا بالمدينة حريصا على تعليم أبنائه.
زاول تعليمه الابتدائي بالمدرسة الابتدائية القرآنية العصرية بن خلدون بالقلعة الكبرى.
بعد حصوله على شهادة ختم التعليم الابتدائي التحق بالمدرسة الصادقية حيث حصل على ديبلوم المدرسة وشهادة البكالوريا. وفي سنة 1955 التحق بالمعهد العالي للدراسات العليا بتونس (اختصاص حقوق) ثمّ بالمدرسة القومية للإدارة التي تخرّج منها سنة 1958 وعيّن مكلفا بميزانية الدولة برائسة الحكومة بالقصبة في عهد الأستاذ الباهي الأدغم. لكنه سنة 1960 غادر الإدارة للالتحاق بباريس وإعداد شهادة الدكتوراه في القانون الدستوري بالسربون وقد نجح في ذلك بتفوّق في جوان 1963 مع تجربة في التدريس كمساعد بجامعة باريس.
وفي سنة 1971 اجتاز بنجاح مناظرة التبريز في القانون العام (الأول على دفعته) فاتصل به عميد كلية الحقوق الأستاذ الشاذلي العياري ليطلب منه العودة وتسلّم إدارة الكلية اثر تعيينه وزيرا للتربية.

بين العمادة والتدريس والتأطير والبحث العلمي
تلبية للواجب الوطني عاد الأستاذ الصادق بلعيد إلى تونس والتحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية كأستاذ محاضر وانتخب في نفس السنة عميدا لها في نفس السنة لدورتين متتاليتين إلى غاية جوان 1977.
ويشهد له زملائه وطلبته أمه كان من أفضل أساتذة القانون العام والقانون الدستوري في تونس، حيث تخرّج على يديه الكثير من أساتذة القانون الدستوري، من أبرزهم الأستاذ الصادق شعبان وفرحات الحرشاني عياض بن عاشور وسليم اللغماني و محمّد رضا بن حمّاد و وحيد الفرشيشي… وهو من أشدّ العمداء دفاعا عن الديمقراطية داخل كلّية الحقوق، إلى حد أنه سمح للطلبة في سنة 1973 بعقد جلسة عامة والبوليس محاصر للكلية للتشاور حول مواصلة الإضراب العام. وفعلا قرّروا مواصلة الإضراب.
وبوصفه عميدا لكلية الحقوق والعلوم السياسية ورئيسا لشعبة التعليم العالي، اقترح على الرئيس بورقيبة إلقاء محاضراته الستّ حول مسيرته وتاريخ الحركة الوطنية التونسية، فاستجاب للطلب وألقى بين 13 أكتوبر و15 ديسمبر 1973 ست محاضرات في المدرّج الكبير بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس بحضور طلبة معهد الصحافة وعلوم الأخبار وطلبة الحقوق والمؤسسات الجامعية بتونس تولت إدارة الحزب إصدارها في كتاب “الحبيب بورقيبة حياتي، آرائي، جهادي”، منشورات كتابة الدولة للإعلام، تونس 1978، 246 صفحة.
وبمناسبة هذه المحاضرات أعطى بورقيبة الإذن ببعث مركز الدراسات القانونية بالكلية، تولى تدشينه بنفسه بمناسبة الإشراف على يوم العلم في نهاية جوان 1975 بحضور وزير التربية الأستاذ إدريس قيقة.
وإثر هذه تجربة العمادة شغل عديد الخطط العلمية والقانونية في مجال اختصاصه وهي تباعا:
- عضوا بالمجلس التونسي للبحث العلمي والتكنولوجي.
- عضوا بالجمعية التونسية للقانون الدستوري.
- عضوا بالأكاديمية الدولية للقانون الدستوري.
- رئيسا للجامعة الحرة بتونس.
- عضوا بالجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”.
- مستشارا قانونيا بالجامعة العربية.
- عضو ا بالمحكمة الدستورية لاتحاد المغرب العربي ومحرّرا لنصّ معاهدة مرّاكش في 17 فيفري 1989.
- أستاذ زائرا بجامعات اسّيكس بأنجلترا (Essex) وجامعة بارنستون (Princeton) بالولايات المتحدة و جامعات روما وسابينزا (Sapienza) بإطاليا وجامعات مرسيليا وتولوز ونيس وبربِينيُون (Perpignan) بفرنسا وجامعة بوخارست (Bucarest) برومانيا وجامعات الكويت والمغرب والجزائر… الخ.
وفي سنة 1978 كُلّف من طرف رئيس الحكومة، الأستاذ الهادي نويرة بصياغة تقرير تونس أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي في قضيّة الجرف القاري بين تونس وليبيا الثريّ بالرواسب الصخرية متعددة المعادن المعروفة باسم “Les nodules polymétalliques”. لكن في سنة 1982 قضت المحكمة الدولية بحقّ ليبيا الكامل على الجرف القاري وهو ما أدى إلى حرمان بلادنا من كميات هائلة من البترول والغاز والثروات السمكية والمعدنية رغم استعداد العقيد الراحل معمّر القذافي باقتسام ثروات الجرف القاري بالتساوي بين البلدين.

العودة الجديدة إلى الساحة العامة غداة 14 جانفي 2011
مساء يوم 14 جانفي 2011 كان الأستاذ الصادق بلعيد أوّل من تفطّن إلى وجوب العودة إلى الفصل 57 بدلا من الفصل 56 في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية ونقل الرئاسة إلى رئيس مجلس النواب عوضا عن الوزير الأول…
كما دُعي للمحاضرة بالمجلس الأعلى للانتقال الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة ثمّ بالمجلس الوطني الدستوري أثناء صياغة الدستور الجديد أو دستور الجمهورية الثانية الذي ختم في 27 جانفي 2014.
وفي 12 جويلية 2011 قدم مشروعا أوّليّا للدستور، نصّ على مبادئ كبرى، مثل: إقرار حريّة الضمير وإلغاء عقوبة الإعدام، والمساواة التامة في الحقوق… الخ.
وفي 23 أكتوبر 2011 من نفس السنة ترشّح للانتخابات التشريعية عن قائمة “الكفاءة” بدائرة بن عروس وتحصّل على 4391 صوتا.
في جويلية 2016 ساند مبادرة وثيقة قرطاج التي اقترحها الباجي قائد السبسي بهدف تكوين حكومة وحدة وطنيّة.
وفي غرّة ماي 2022 تمّ تكليفه من قبل الرئيس قيس سعيّد بترأس لجنة استشارية مكلفة بصياغة مشروع دستور جديد لتونس بعد إيقاف العمل بدستور 27 جانفي 2014 وحلّ مجلس نواب الشعب في 25 جويلية 2021 نتيجة كثرة الخلافات بين رئيس الحكومة ورئئيس الجمهورية والأجواء المتوترة داخل المجلس. وقد عيّ معه الأستاذ أمين محفوظ لصياغة الدستور وقاما باتصالات مكثفة بكفاءات وخبرات تونسية عالية مقيمة بتونس وبالخارج في جميع الاختصاصات، من اقتصاد ومالية وفلاحة وصناعة وتجارة وثقافة وأمن وجيش… للاستماع لمقترحاتها. وفي 20 جوان 2022 سلّم مسوّدة الدستور الجديد إلى رئيس الجمهورية، الأستاذ قيس سعيّد لكن لم يتمّ اعتمادها في دستور 25 جويلية 2022 وهو ما أثّر عليه صحّيا ونفسيا.
عشرات المؤلفات والمقالات العلمية بتونس وبالخارج
طيلة مسيرته الأكاديمية صدر للأستاذ الصادق بلعيد أكثر من 12 مؤلفا فرديا أو جماعيا (بالاشتراك مع) في القانون الدستوري وتاريخ التشريع في الإسلام وقانون الجماعات والعولمة والقانون الإداري…، باللغات الفرنسة والعربية والانجليزية، بكل من باريس وتونس ولندن من أهمها:
– Sadok Belaïd Essai sur le pouvoir créateur et normatif du juge, Paris, Librairie générale de droit et de jurisprudence, coll. « Bibliothèque de philosophie du droit », 1974, 360 p.
– Sadok Belaïd, L’organisation et les institutions d’une communauté économique maghrébine, La Soukra, Institut arabe des chefs d’entreprises, 1987, 49 p.
– (avec Francis Delpérée et François Luchaire), La loi aujourd’hui, Tunis, Faculté de droit de Tunis, 1989, 346 p.
– Sadok Belaïd (Dir.), L’œuvre jurisprudentielle du Tribunal administratif tunisien, Tunis, Centre de recherches et d’études administratives, 1990, 562 p.
– Sadok Belaïd et I. William Zartman, Les expériences d’intégration régionale dans les pays du tiers-monde, Tunis, Centre de recherches et d’études administratives, 1993, 376 p.
– Sadok Belaïd, Islam et droit : une nouvelle lecture des « versets prescriptifs » du Coran, Tunis, Centre de publication universitaire, 2000, 544 p.
– Sadok Belaïd et Yadh Ben Achour et Slim Laghmani, Droit communautaire et mondialisation, Tunis, Centre de publication universitaire, 2003, 306 p.
– Sadok Belaïd & Abdelfattah Amor & Habib Ayadi, En hommage à Dali Jazi, Tunis, Centre de publication universitaire, 2010, 190 p.
– Sadok Belaïd (en) Adeed I. Dawisha et I. William Zartman, Beyond Coercion : Durability of the Arab State, Londres, Routledge, 2016, 322 p.
– Sadok Belaïd, Les constitutions en Tunisie depuis la constitution de Carthage au Vème siècle av. JC. Jusqu’à la constitution de 2022, (manuscrit).
– الصادق بلعيد، القرآن و التشريع: قراءة جديدة في آيات الأحكام، مركز النشر الجامعي تونس، 1999، 346 صفحة.
كما له عشرات المقالات العلمية الصادرة بمجلات أكاديمية محكّمة بأرق الجامعات ومراكز البحث في فرنسا وانجلترا و تونس ودول الخليج. وكان محور عديد المقالات الصحفية، لا سيما بعد 2011 من أهمها:
- « Débat électoral : les premières élections démocratiques en Tunisie », sur spma-sciencespo.com, 6 octobre 2011.
- « Anciens doyens », sur fdspt.rnu.tn.
- « Édito », sur Université libre de Tunis.
- « Nominations », Journal officiel de la République tunisienne, no 19, 5 mars 2002, p. 535.
- « Tunisie – Liste des membres de Beit al-Hikma », sur espacemanager.com, 27 septembre 2012 (consulté le 10 août 2016).
- (en) « Sadok Belaid », sur tunisia-live.net, 16 octobre 2011.
- « Tunisie. L’idée de referendum vivement critiquée par la Haute instance », sur Kapitalis, 9 septembre 2011 (consulté le 11 août 2016).
- « Sadok Belaid : « Je me porte candidat à la Constituante », sur tunistribune.org, 4 septembre 2011.
- « Nouvelle Constitution : l’avant-projet du doyen Sadok Belaid », sur Leaders, 16 juillet 2011.
- (ar) « Les infractions constitutionnelles dans le choix de Chahed », sur babnet.net, 7 août 2016.
- (ar) « Tunisie : une querelle constitutionnelle éclate à propos du choix de Chahed pour former le prochain gouvernement », sur aawsat.com, 9 août 2016.
- « Politique : Sadok Belaid critique BCE et qualifie son fils de « bahloul », sur directinfo.webmanagercenter.com, 9 août 2016.
- « Tout sur l’Instance Sadok Belaid pour “Une nouvelle République” : rapport final le 20 juin prochain », sur Leaders, 20 mai 2022.
- « Sadok Belaid désigné président coordinateur de la commission consultative », sur businessnews.com.tn, 20 mai 2022 (consulté le 20 mai 2022).
- « Tunisie : pas de référence à l’islam dans le projet de Constitution », Le Point, 6 juin 2022.
- « Sadok Belaïd désavoue le projet de Constitution publié au JORT », sur Mosaïque FM, 3 juillet 2022 (consulté le 3 juillet 2022).
- « Dans une lettre, Sadok Belaïd dénonce le projet de constitution de Saïed ! », sur businessnews.com.tn, 3 juillet 2022 (consulté le 3 juillet 2022).
- « La version originale du projet de Constitution », sur webdo.tn, 3 juillet 2022.
- Avec Frédéric Bobin, « Tunisie : “Le projet présidentiel de nouvelle Constitution est dangereux” », Le Monde, 3 juillet 2022.
- « Décrets et arrêtés », Journal officiel de la République tunisienne, no 58, 18-22 septembre 1981, p. 2156.
- « Essai sur le pouvoir créateur et normatif du juge », Revue internationale de droit comparé, vol. 27, no 4, 1975, p. 955-958.
والأستاذ الصادق بلعيد متحصّل على عديد الأوسمة من أهمّها: الصنف الأول من وسام الجمهورية من الرئيس الحبيب بورقيبة سنة 1981. وهو متزوّج وأب لثلاث بنات.
رحم الله فقيد الجامعة التونسية وتونس، ورزق أهله وذويه وطلبته وزملائه من أساتذة ورجالات القانون جميل الصبر والسلوان.
وكما يقول الشاعر العربي أبو بكر بن دريد: «وَإِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ، فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى».



شارك رأيك