“بيان بلا أسماء: حين يصبح العدوان “تصعيدًا” والمعتدي مجرد احتمال دبلوماسي
يبدو أن وزارة الشؤون الخارجية قد قررت، منذ بيانها قبل الأخير، افتتاح مدرسة دبلوماسية جديدة يمكن أن تُدرَّس يومًا ما في كليات العلوم السياسية تحت عنوان جذاب: “البلاغة الاستراتيجية في فن تجاهل الواضح”. فبيانها او ملخص نشاط ليوم الاحد 8 مارس الجاري لا يكتفي فقط بتبني لغة دبلوماسية رصينة – وهو أمر محمود في حد ذاته – بل يذهب أبعد من ذلك بكثير، ليقدم تجربة فريدة في الكتابة السياسية: الحديث المطول عن حدث دون الاقتراب منه فعليًا.
فالبيان، من حيث المبدأ، جاء على خلفية تصعيد عسكري بالغ الخطورة في المنطقة، وهو تصعيد يعرفه الجميع ويُذكر بالاسم في نشرات الأخبار بمؤسسات الاعلام العمومي والخاص قبل أن ينتهي المذيع/ة من جملته/ا الأولى: “عدوان صهيوني-أمريكي على إيران”. لكن وزارة الخارجية، وفاءً لتقاليدها الجديدة في الاقتصاد الحاد في تسمية الأشياء، قررت التعامل مع الموضوع بقدر كبير من الرقي التجريدي.
فالعدوان اختفى من النص، والفاعل تلاشى، وبقيت لدينا عبارة أنيقة ومريحة هي: “التصعيد العسكري في المنطقة”.
وهكذا أصبح الحدث المركزي الذي يدور حوله البيان شبيهًا بظاهرة طبيعية مبهمة، أقرب إلى منخفض جوي مفاجئ منه إلى عملية عسكرية معلنة. فلا أحد يقصف أحدًا، ولا أحد يهاجم أحدًا، بل هناك فقط “تصعيد” يحدث بطريقة غامضة، كما لو أن الصواريخ قررت أن تطلق نفسها بنفسها في إطار برنامج استقلالي طموح للتكنولوجيا العسكرية.
ولعل هذا الأسلوب الجديد يعكس حرصًا شديدًا على عدم إحراج أي طرف. فذكر الأسماء – كما يبدو – قد يسبب حرجًا دبلوماسيًا غير مرغوب فيه، بينما الغموض يتيح مساحة رحبة للتأويل، ويمنح الجميع فرصة الشعور بأنهم غير معنيين مباشرة بما يحدث. إنها دبلوماسية تشبه إلى حد كبير أسلوب بعض الأطباء الذين يفضلون الحديث عن “وعكة عامة” بدل تسمية المرض حتى لا ينزعج المريض.
غير أن هذا الإبداع البلاغي لم يقف عند حدود الحدث الإيراني فقط. فبعد موجة من الانتقادات بسبب التجاهل شبه الكامل لما يجري في لبنان، تذكرت الوزارة – مشكورة – أن هناك بلدًا شقيقًا يتعرض لاعتداءات. فجاءت الفقرة الجديدة لتعلن تضامن تونس مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة.
لكن، وفاءً مرة أخرى للمدرسة الدبلوماسية الجديدة، حافظ البيان على القاعدة الذهبية: التضامن ممكن، لكن ذكر المعتدي غير ضروري.
وهكذا يصبح لبنان، في الصياغة الرسمية، ضحية اعتداءات لا يُعرف مصدرها بدقة. قد تكون صواريخ تائهة، أو اضطرابات جيولوجية مفاجئة، أو ربما سوء تفاهم إقليمي خرج عن السيطرة. المهم أن البيان يفضل ترك الباب مفتوحًا أمام كل الاحتمالات، باستثناء الاحتمال الوحيد الذي يعرفه الجميع.
ولعل هذا الأسلوب يندرج ضمن رؤية أوسع للعلاقات الدولية، يمكن وصفها بأنها دبلوماسية الأسماء المحذوفة. ففي هذا النموذج الجديد، لا يُذكر المعتدي، ولا يُحدد المسؤول، ولا تُسمى الوقائع إلا بقدر ما يسمح به الحد الأدنى من الإشارة المجردة. وهكذا تتحول السياسة الدولية إلى نص أدبي مفتوح، يقرأه كل طرف بالطريقة التي تناسبه.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن البيان تضمن لحظة مضيئة بالفعل. فالقضية الفلسطينية، التي غالبًا ما تشكل بوصلة الخطاب السياسي التونسي، حضرت في النص بحضور واضح نسبيًا. فقد أكد البيان مرة أخرى على حق الشعب الفلسطيني في “إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف”.
غير أن البيان – حفاظًا على اتساقه المنهجي – التزم مرة أخرى بالقاعدة الكبرى: ذكر الحق دون ذكر من يسلبه.
ففلسطين، في هذا السياق، تظهر كقضية تحرر وطني غامضة المعالم. هناك شعب يريد الحرية، وهناك دولة لم تقم بعد، وهناك أرض يفترض أن تُستعاد. لكن من يحتل هذه الأرض؟ من يقيم المستوطنات؟ من يمنع قيام الدولة؟ هذه تفاصيل ربما رأت الوزارة أنها لا تضيف كثيرًا إلى جمال النص.
ويمكن القول إن هذا النهج يمنح القضية بعدًا فلسفيًا مميزًا. فبدل أن تكون صراعًا سياسيًا واضح الأطراف، تتحول فلسطين إلى فكرة مجردة: شعب يسعى للحرية في مواجهة ظروف غير محددة، في مكان غير واضح، ضد قوة مجهولة الهوية.
إنها صيغة تجعل الصراع يبدو أقرب إلى مسألة وجودية منه إلى واقع سياسي.
وإذا كان للبيان من إنجاز حقيقي، فهو قدرته اللافتة على تحقيق توازن نادر بين الإطالة في الكلام والاقتصاد في المعنى. فالنص يمتد على فقرات متعددة، مليئة بمفردات رفيعة مثل “الأمن الإقليمي” و”القانون الدولي” و”الحكمة” و”الحوار” و”تغليب العقل”. وهي كلها عبارات نبيلة بلا شك، لكنها تتحرك في فضاء لغوي واسع يكاد يخلو من أي احتكاك مباشر بالواقع.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن البيان نجح في تحقيق معادلة دقيقة:
الحديث عن حرب دون ذكر من يشنها،
والتضامن مع ضحايا دون تحديد من يعتدي عليهم،
والدفاع عن قضية تحرر دون الإشارة إلى من يمنع هذا التحرر.
وهي مهارة دبلوماسية متقدمة قد تمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة في كتابة البيانات الرسمية، مرحلة يصبح فيها الوضوح مخاطرة غير ضرورية، بينما يتحول الغموض إلى أداة سياسية متعددة الاستعمالات.
قد يكون من الظلم تحميل البيان أكثر مما يحتمل. فربما لم يكن الهدف منه تفسير ما يجري في المنطقة بقدر ما كان محاولة أنيقة للمرور فوقه بهدوء. وفي هذا المجال تحديدًا، لا بد من الاعتراف بأن النص أدى مهمته بكفاءة: فقد نجح في قول الكثير جدًا… دون أن يضطر إلى قول الشيء الوحيد الذي كان الجميع ينتظر سماعه”.
*ف.ب.ك



شارك رأيك