بمناسبة اليوم العالمي للمرأة : الحرية لجواهر شنة، الحرية لسناء مساهلي

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، لا يكون الوفاء لمعنى هذا اليوم بالاحتفاء الرمزي فحسب، بل بالانحياز الواضح لكل النساء اللواتي يدفعن ثمن مواقفهنّ، ولكل امرأة اختارت أن تكون فاعلة في المجال العام، وأن ترفع صوتها في وجه الظلم. فاليوم العالمي للمرأة ليس لحظة احتفال فقط، بل لحظة تذكير بأن نضال النساء من أجل الحرية والكرامة لا يزال مستمرًا، وأن النساء اللواتي يخترن الوقوف في الصفوف الأمامية للدفاع عن العدالة كثيرًا ما يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع القمع.

إنّ إيقاف جواهر شنة وسناء مساهلي لا يمكن فهمه كحادثة معزولة أو إجراء إداري عابر. فهو يندرج ضمن سياق أوسع من التضييق على الحريات العامة، ويكشف في الوقت نفسه عن منطق عميق من الإقصاء السياسي والجندري الذي يطال النساء حين يقتحمن الفضاء العام بوصفهن فاعلات سياسيات وحقوقيات. فحين تُستهدف النساء بسبب مواقفهن أو التزامهن بقضايا إنسانية، فإن ذلك يكشف عن التقاء القمع السياسي مع البنى الاجتماعية التي لا تزال تحاول تقييد حضور النساء في المجال العام.

لقد حاولت الأنظمة السلطوية طويلًا أن تُبقي السياسة فضاءً مغلقًا، تُمارَس فيه السلطة وتُدار فيه الصراعات بعيدًا عن أصوات النساء. لكن حضور النساء في هذا الفضاء ظلّ دائمًا مصدر قلق للسلطة، لأن المرأة التي تواجه القمع لا تظهر فقط كمعارضة سياسية، بل تتحول أيضًا إلى رمز مضاعف للظلم: امرأة تُعاقَب لأنها مواطنة لها رأي، ولأنها امرأة تجرأت على تجاوز الحدود التي رُسمت لها اجتماعيًا.

في هذا السياق، برزت سناء مساهلي وجواهر شنة خلال السنوات الأخيرة كصوتين واضحين داخل الحراك المدني والوطني في تونس. فقد كان حضورهما لافتًا في مختلف أشكال التعبئة الشعبية دفاعًا عن الحرية والكرامة، وكان التزامهما بالقضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تعبيرًا عن وعي عميق بترابط النضالات من أجل العدالة عبر الحدود.

ومنذ اندلاع طوفان الأقصى، تميزت سناء وجواهر بحضور بارز في الحراك الشعبي الداعم لفلسطين في تونس. فقد كانتا من بين الوجوه النسائية التي ساهمت في تعبئة الشارع، وتنظيم التحركات التضامنية، وإبقاء القضية الفلسطينية حية في الوجدان العام، في لحظة حاول فيها كثيرون حصر التضامن في الشعارات بينما اختارتا الانخراط الفعلي في الفعل الميداني.

وقد تجسد هذا الالتزام بشكل واضح في مشاركتهما في ديناميكيات قافلة الصمود وأسطول الصمود، حيث كانتا من بين النساء اللواتي حملن عبء التنظيم والتعبئة والمرافقة الميدانية، في مبادرات تضامنية تطلبت شجاعة وإصرارًا كبيرين. لم يكن ذلك مجرد حضور رمزي، بل مشاركة حقيقية رافقتها تضحيات شخصية كبيرة، من وقت وجهد ومخاطر، دفاعًا عن حق الشعوب في الحرية والكرامة، وعن حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال.

إنّ استهداف امرأتين كانتا في قلب هذا الحراك التضامني لا يمكن فصله عن الرغبة في معاقبة الأصوات التي تربط بين النضال من أجل الحرية في الداخل والدفاع عن العدالة في الخارج. فالتضامن مع فلسطين لم يكن بالنسبة إليهما موقفًا عاطفيًا فحسب، بل كان امتدادًا طبيعيًا لقناعة عميقة بأن الحرية لا تتجزأ، وأن كرامة الشعوب مترابطة.

لكن ما يجعل هذه اللحظة أكثر دلالة هو أنها تكشف بوضوح العلاقة العميقة بين القمع السياسي والعنف الجندري. فالنساء حين يدخلن المجال العام لا يواجهن فقط آليات القمع التي تطال المعارضين عمومًا، بل يواجهن كذلك خطابًا اجتماعيًا يحاول التشكيك في شرعية حضورهن، والتقليل من أدوارهن، وتحويل مشاركتهن السياسية إلى موضوع للتجريح أو الوصم. وهكذا تجد النساء أنفسهن أمام عنف مزدوج: عنف السلطة التي تعاقب الرأي، وعنف المجتمع الذي لا يزال ينظر إلى الجرأة النسوية بوصفها خروجًا عن الأدوار التقليدية.

إنّ استهداف سناء مساهلي وجواهر شنة اليوم يكشف في جوهره عن خوف السلطة من رمزية المرأة التي تقاوم. فالمرأة التي تقف في وجه الظلم، وتصرّ على الدفاع عن القضايا العادلة، تتحول بسرعة إلى مرآة فاضحة لقسوة الأنظمة وهشاشتها. ولذلك يصبح إسكاتها محاولة لإعادة فرض حدود الصمت والخضوع.

غير أنّ التاريخ يعلّمنا أن قمع النساء لا يحمي الأنظمة بل يعرّيها، وأن سجن الأصوات الحرة لا يؤدي إلا إلى توسيع صداها. فالنساء كنّ دائمًا في قلب النضالات الكبرى من أجل الحرية، لا كضحايا فقط، بل كصانعات للتغيير وفاعلات في رسم ملامح المستقبل.

إنّ الدفاع عن سناء وجواهر اليوم هو دفاع عن مبدأ أساسي: أن التضامن ليس جريمة، وأن العمل الحقوقي والإنساني لا يمكن أن يتحول إلى تهمة. وهو أيضًا دفاع عن حق النساء في أن يكنّ فاعلات سياسيات كاملات، حاضرات في قلب الفضاء العام، لا على هامشه.

في هذا اليوم، نجدد التأكيد على أن كرامة النساء من كرامة المجتمع، وأن حرية النساء معيار حقيقي لمدى احترام الحريات في أي بلد. فالمجتمع الذي تُقمع فيه النساء بسبب أصواتهن هو مجتمع تُهدَّد فيه الحرية للجميع.

الحرية لجواهر شنة
الحرية لسناء مساهلي
الحرية لكل النساء اللواتي
يقاومن السجن و الظلم والقمع

والتحية لكل امرأة تجعل من صوتها أداةً للحرية، ومن شجاعتها أفقًا للأمل

شارك رأيك

Your email address will not be published.