من أجل المساواة الفعلية والدفاع عن الحريات،تحيي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى جانب شعوب العالم وقواها التقدمية، اليوم العالمي للنساء الموافق لـ ـ8 مارس، باعتباره محطة نضالية أممية متجددة للتأكيد على ضرورة إقرار الحقوق الكاملة للنساء، وفي مقدمتها المساواة التامة والفعلية في جميع المجالات دون تمييز أو إقصاء.
ويصادف إحياء اليوم العالمي للدفاع عن حقوق النساء هذا العام في تونس في ظل سياق سياسي واقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، تتقاطع فيه الأزمات الاقتصادية العميقة مع تراجع الحريات العامة وتصاعد التضييق على المجتمع المدني والمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وبينما يُفترض أن يكون هذا اليوم مناسبة لتجديد الالتزام بمسار العدالة والكرامة للنساء، تكشف الأوضاع الراهنة عن واقع متفاقم من الهشاشة والتهميش والعنف الذي تعانيه النساء في تونس، في ظل سياسات عمومية عاجزة عن حماية مكتسباتهن وضمان حقوقهن الأساسية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تدهورًا واضحًا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وكانت النساء من أكثر الفئات تضررًا من هذه التحولات. فقد تعمّقت هشاشة النساء في سوق الشغل مع ارتفاع نسب البطالة في صفوفهن واتساع رقعة العمل الهش وغير المنظم، خاصة في القطاعات الفلاحية والخدماتية، حيث تواصل آلاف النساء العمل في ظروف قاسية دون حماية اجتماعية أو ضمانات قانونية، بما يعمّق تبعيتهن الاقتصادية ويضعف قدرتهن على مواجهة مختلف أشكال العنف والاستغلال.
ولا تقف مظاهر الهشاشة عند البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى مختلف المجالات الاجتماعية، حيث تتفاقم الفوارق الجهوية في النفاذ إلى الخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقل، وهي فوارق تتحمل النساء عبئها الأكبر، خاصة في المناطق المهمشة، مما يعيد إنتاج التهميش ويحدّ من فرص المشاركة الفعلية للنساء في الحياة العامة.
تزامنًا مع ذلك، تسجّل تونس ارتفاعًا مقلقًا في نسب العنف المسلط على النساء بمختلف أشكاله الجسدية والنفسية والاقتصادية والسياسية والرقمية. ورغم خطورة هذه الظاهرة، يلاحظ استمرار غياب سياسات عمومية فعالة وشاملة للوقاية من العنف وحماية الناجيات ومحاسبة المعتدين، بما يعكس ضعف الإرادة السياسية في ضمان حق النساء في العيش بأمان وكرامة.
كما تتقاطع هذه الأوضاع مع سياسات بيئية تعمّق هشاشة النساء، خاصة في منطقة قابس، حيث تعيش آلاف النساء منذ عقود تحت وطأة التلوث الصناعي الخطير الصادر عن المجمع الكيميائي. ورغم صدور قرار سنة 2017 يقضي بتفكيك الوحدات الملوثة، لم يتم تنفيذ هذا القرار إلى اليوم، وهو ما يجعل نساء الجهة في مواجهة ثلاثية قاسية: الفقر والتهميش والتلوث الذي يهدد صحتهن وحياتهن، في ظل غياب العدالة البيئية وتجاهل مطالب الأهالي في بيئة سليمة وآمنة.
إلى جانب هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي والبيئي الصعب، تواجه النساء في تونس اليوم منحى مقلقًا يتمثل في تآكل الفضاء المدني وتصاعد استهداف الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان عامة والحق في التعبير والعمل الجمعياتي خاصة، فقد أصبح العمل الحقوقي والمدني، الذي مثّل لعقود أحد أهم أدوات الدفاع عن الحقوق والحريات، عرضة للتشويه والتضييق والتجريم.
وفي هذا السياق، شهدت البلاد تصاعدًا لخطاب سياسي وإعلامي يشيطن العمل المدني ويضرب في عمق ثقافة التضامن التي شكّلت إحدى القيم الأساسية للمجتمع التونسي. وقد برز هذا المسار بشكل خاص في استهداف ناشطات منخرطات في الدفاع عن الفئات الأكثر هشاشة، من بينهن المناضلتان سعدية مصباح وسلوى غريسة اللتان تقبعان رهن الإيقاف منذ أشهر طويلة، على خلفية نشاطهما التضامني ودفاعهما عن كرامة المهاجرات والمهاجرين وحقهم في المعاملة الإنسانية والحماية من العنصرية والانتهاكات.
وقد شكّلت هذه الحملات بداية مسار أوسع من شيطنة العمل التضامني، حيث تم تصوير الدفاع عن الحقوق الإنسانية للمهاجرات والمهاجرين وكأنه تهديد لأمن البلاد، في محاولة لضرب ثقافة التضامن الإنساني وتدمير الإرث التضامني للشعب التونسي.
واليوم يتواصل هذا المسار ليطال أشكالًا أخرى من التضامن الحقوقي، بما في ذلك التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والكرامة، حيث أصبحت بعض الناشطات اللواتي عبّرن عن مواقف داعمة للقضية الفلسطينية عرضة لحملات تشويه واستهداف، انتهت بإحالة عدد منهن على التحقيق، من بينهن جواهر شنة وسناء المساهلي، وذلك على خلفية مشاركتهن في الحراك التضامني.
كما رافق هذا المسار خلال السنوات الأخيرة تصاعد حملات التشويه والسحل الرقمي الممنهج، حيث تحولت الفضاءات الرقمية إلى ساحات للتحريض والتشهير ونشر الاتهامات الزائفة، خاصة ضد النساء الناشطات في الفضاء العام. وغالبًا ما تتخذ هذه الحملات طابعًا جندريًا واضحًا، عبر توظيف خطاب تمييزي وعنف لفظي ونفسي يستهدف النساء بشكل خاص بهدف النيل من سمعتهن وإقصائهن من المجال العام.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع ظرفي، بل مسارًا مقلقًا يهدد المكتسبات التي حققتها النساء في تونس عبر عقود من النضال والتضحيات. لذلك فإن الدفاع عن حقوق النساء اليوم لا ينفصل عن الدفاع عن الحريات العامة وعن قيم التضامن والعدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وانطلاقًا من ذلك، تؤكد الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في هذا اليوم العالمي للدفاع عن حقوق النساء ما يلي:
◾ المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جواهر شنة وسناء المساهلي وسعدية مصباح وسلوى غريسة، شيماء عيسى وعبير موسى وجميع النساء المعتقلات بسبب نشاطهن المدني والحقوقي والسياسي.
◾ التنديد بتجريم التضامن واستهداف المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان في تونس.
◾ رفض حملات التشويه والسحل الرقمي التي تستهدف الناشطات والناشطين وتستخدم كأداة لتهيئة المناخ لقمع الحريات والاعتقالات.
◾ التأكيد على أن التضامن بين شعوب الجنوب هو حق إنساني مشروع يعكس التزامًا بالقيم الكونية للحرية والعدالة.
*عن الهيئة المديرة
الرئيس بسام الطريفي



شارك رأيك