عندما تصبح الحرب جزءًا من إيقاع حياتنا اليومي

في الأيام الأخيرة، صدرت بيانات عديدة من قادة سياسيين ودينيين حول الحروب الدائرة في العالم، تدين العنف وتدعو إلى العدالة وإيقاف الجرائم. أحد هذه البيانات جاء في رسالة موجّهة من رئيس مجلس سياسات الأديان في إيران الى القادة الدينيين في العالم، تتحدث عن قتل الأطفال، وانتهاك القوانين الدولية، وضرورة أن يستيقظ الضمير العالمي.

منال علبوشي *

مثل هذه البيانات تعبّر بلا شك عن ألم حقيقي وغضب أخلاقي مفهوم أمام مشاهد الدمار، غير أنّها تكشف أيضًا عن شيء أعمق: الطريقة التي أصبح بها العالم يتحدث عن الحرب. ففي زمنٍ لم تعد فيه القنابل تسقط فقط على المدن، بل على الشاشات أيضًا، تغيّر شيءٌ عميق في وعينا الجماعي.

لم تعد الحرب حدثًا استثنائيًا يقطع مجرى الحياة، بل صارت جزءًا من إيقاعها اليومي: نشرات عاجلة، تحليلات عسكرية، صور أطفال تحت الركام… ثم فاصل إعلاني.

الخطر لم يعد في العنف وحده، بل في قدرتنا المتزايدة على التكيّف معه. في غزة، ينام الأطفال في خيام مبتلّة، والطين يلتصق بأقدامهم الصغيرة كما لو أنه يذكّر الأرض بثقلها الأخلاقي. في أماكن أخرى من هذا العالم، تتحول المدارس إلى أهداف، وتتحول الصفوف الدراسية إلى صمتٍ كثيف بعد الانفجار. ومع ذلك، يستمر الخطاب العام في لغته الباردة: ضربة محسوبة، ردّ، توازن، ردع…

هشاشة الجسد الإنساني حين يُختزل إلى رقم

لكن أي معادلة يمكن أن تحسب طفولةً تُهدم؟ السياسة الدولية، كما تُعرض علينا، تبدو كشبكة معقّدة من المصالح والتحالفات والمحاور: خرائط ملوّنة، خطوط أفقية ورأسية، مناطق نفوذ تتوسع أو تنكمش. غير أن هذه الخرائط، مهما بلغت دقتها، لا تُظهر ما هو الأهم: هشاشة الجسد الإنساني حين يُختزل إلى رقم.

المشكلة ليست في أن العالم يشهد صراعات، فالتاريخ سلسلة طويلة من الحروب، بل في أن الحروب فقدت قدرتها على صدمتنا. أصبحنا نشاهد الدمار كما نشاهد مسلسلًا طويلًا بلا نهاية: نحلل، نختلف، نعلّق، ثم نغيّر القناة.

إنها لحظة تحوّل أخلاقي خطير: حين يتحول الألم إلى محتوى. علم النفس يفسّر هذه الظاهرة منذ زمن. فقد لاحظ فرويد Freud أن النفس البشرية، عندما تتعرّض لصدمات متكررة، تطوّر آليات دفاعية لحماية نفسها، إذ إن العقل لا يستطيع أن يعيش في حالة صدمة دائمة، فيبدأ تدريجيًا في تخفيف شدّة الاستجابة الانفعالية؛ ما كان في البداية فاجعة يصبح مع الوقت خبرًا آخر في الشريط العاجل.

لكن ما يحدث على المستوى الفردي يمكن أن يتحول، حين يتكرر على نطاق واسع، إلى ظاهرة نفسية جماعية: التعرض المستمر لصور العنف لا يجعل العالم أقل عنفًا، بل يجعلنا أكثر قدرة على التكيّف معه. هنا يظهر بعدٌ آخر للمشكلة، أشار إليه تحليل حنّة آرندت Hannah Arendt لما سمّته “تفاهة الشر” (banalité du mal)، حيث لاحظت أن الشر لا يظهر دائمًا في صورة كراهية صاخبة أو وحشية استثنائية، بل قد يظهر في صورة لغة إدارية باردة، تتحول فيها الجرائم إلى إجراءات، والقتل إلى عملية داخل آلة بيروقراطية تنظّم العنف وتجعله يبدو عاديًا.

عندما تتحول الجرائم إلى إجراءات باردة

هذا التحول اللغوي ليس تفصيلاً ثانويًا، فاللغة لا تصف الواقع فقط، بل تعيد تشكيله أخلاقيًا. قعندما يتحول العنف إلى مصطلح تقني، يصبح من الأسهل إدراجه داخل الحسابات السياسية دون أن يثير الارتباك الأخلاقي نفسه.

ومع تطور الإعلام الحديث، يضيف بودريار Jean Baudrillard بعدًا ثالثًا لهذا التحليل: فالحرب التي يعيشها الجمهور ليست الحرب نفسها، بل صورتها الإعلامية. ما يصل إلى المشاهد ليس التجربة المباشرة للدمار، بل تمثيلًا بصريًا منظّمًا له. في هذا العالم المشبع بالصور يتحول العنف إلى مشهد دائم؛ لا يختفي الألم، لكنه يصبح جزءًا من تدفق المحتوى.

وهنا تكمن المفارقة القاسية: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحرب، تراجعت قدرتنا على الشعور بها. لكن الأخطر أن هذا الاعتياد قد لا يكون مجرد نتيجة للحروب، بل أحد الشروط التي تسمح لها بالاستمرار، فالحروب الحديثة لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل تُدار أيضًا داخل فضاء الإدراك العام. وكلما أصبح الجمهور أكثر اعتيادًا على مشاهد العنف، تضاءلت قدرة هذه المشاهد على إحداث الصدمة السياسية التي قد تفرض إيقافها.

بهذا المعنى، لا يغيّر العنف العالم الخارجي فقط، بل يغيّر عتبة تحمّلنا له. وقد لاحظ رينيه جيرار René Girard أن المجتمعات البشرية لطالما حاولت احتواء توتراتها عبر توجيه العنف نحو ضحية، لكن العالم الحديث، بفضل الإعلام الكوني، لم يعد يخفي العنف داخل الطقوس بل يعرضه أمام الجميع، ومع تكرار هذا العرض يحدث تحول خطير: العنف لا يعود صادمًا. في النهاية، لا تختبر الحروب فقط قوة الجيوش أو صلابة الدول، بل تختبر شيئًا أكثر هشاشة بكثير: حساسية الإنسان تجاه الألم. فالمشكلة ليست فقط في أن العالم ما زال يعرف الحروب، بل في أن الإنسان قد يتعلم ببطء شديد كيف يعيش معها دون أن يشعر بأن شيئًا أساسيًا قد انكسر داخله. وعندما يحدث ذلك، لا تكون المدن وحدها هي التي تهدمت، بل شيء أعمق بكثير: القدرة الإنسانية على الارتجاف أمام الألم. وهذا، في حد ذاته، هزيمة.

خبيرة علم النفس.

شارك رأيك

Your email address will not be published.