لم يعد المشهد الدولي المعاصر قابلا للفهم من خلال المفاهيم الكلاسيكية التي حكمت العلاقات الدولية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فالنظام العالمي الذي تبلور بعد نهاية الحرب الباردة وعد بعالم تحكمه قواعد القانون الدولي، وتتصدر فيه قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أنّ المسار الفعلي للأحداث كشف تدريجيا عن مفارقة عميقة بين الخطاب المعلن والممارسة الواقعية للسياسة الدولية. (الصورة: غارة إسرائيلية شمال بيروت.)
هشام السنوسي *

فالحروب التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة — من أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى فلسطين، مرورًا بمناطق أخرى من العالم — عكست نمطا متكررا من التدخلات العسكرية التي جرى تسويقها ضمن سردية أخلاقية عنوانها نشر الحريات وإنقاذ الشعوب من أنظمتها. لكن هذه السردية، مع تكرارها، أخذت تفقد قدرتها الإقناعية، ليس فقط بسبب نتائجها الكارثية على المجتمعات المعنية، بل أيضًا بسبب ما كشفت عنه من عجز القوى الكبرى عن إدارة النظام العالمي خارج منطق القوة الغاشمة.
إنقاذ الشعوب من أنظمتها أصبح غطاء لسياسات الهيمنة
لقد تحولت لغة «إنقاذ الشعوب» في كثير من الأحيان إلى غطاء سياسي لسياسات الهيمنة وإعادة تشكيل موازين القوى، بينما انتهت المجتمعات التي كانت موضوع هذه التدخلات إلى حالات طويلة من عدم الاستقرار، أو إلى تفكك بنيوي أصاب الدولة والمجتمع معا. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الخطابات تقنع حتى جزءا من الرأي العام العالمي الذي بات أكثر وعيا بالتناقضات البنيوية للنظام الدولي.
غير أنّ نقد هذه السرديات، رغم ضرورته، لا يمثل سوى المستوى الأول من التحليل. أما السؤال الأكثر أهمية بالنسبة للبلدان النامية فهو سؤال آخر: ما هو مستقبل السياسة في عالم يتسم باختلال عميق في موازين القوة، حيث يمكن تجاوز كل الخطوط الحمراء، حتى عندما يؤدي ذلك إلى إبادة مجتمعات كاملة؟
في مثل هذا السياق، تصبح السياسة بالنسبة للدول الضعيفة أو المتوسطة أشبه بفن إدارة الهشاشة. فكل محاولة لبناء استقلال فعلي خارج المنظومة الاقتصادية والسياسية المهيمنة قد تتحول إلى مغامرة مكلفة، بل أحيانا إلى تهديد وجودي. وقد أظهرت تجارب عديدة أن أي مشروع للاستقلال الاقتصادي أو التكنولوجي أو الجيوسياسي، إذا لم يكن مدعومًا بقدرات داخلية كافية، قد يعرّض الدولة لعقوبات أو ضغوط أو حتى تدخلات مباشرة.
وفي المقابل، فإن الخيار المعاكس — أي الاندماج الكامل في النظام العالمي وفق شروطه القائمة — يضمن أحيانا قدرا من الاستقرار الاقتصادي والسياسي، لكنه قد يقود إلى نمط من التبعية البنيوية. ففي هذه الحالة تتحول الدولة إلى طرف تابع في شبكة اقتصادية عالمية تتحكم في قواعدها مراكز القوة الكبرى. ويلاحظ هذا النمط خصوصا في الاقتصادات الريعية التي تحقق مستويات مرتفعة من الرفاه المادي لكنها تبقى محدودة القدرة على صياغة خيارات استراتيجية مستقلة.
من هنا يبرز مأزق حقيقي يواجه كثيرًا من الدول النامية: إما الاستقلال غير المحمي بالقوة الكافية، بما يحمله من مخاطر الصدام، أو الاندماج التابع بما يحمله من مخاطر التآكل التدريجي للسيادة.
لكن قراءة التاريخ المعاصر تشير إلى أن تجاوز هذا المأزق لا يمر عبر الخيارات الجيوسياسية المباشرة فقط، بل عبر تحولات أعمق تمس بنية المجتمع والدولة معًا.
إعادة بناء مفهوم القوة في العالم المعاصر
أول هذه التحولات يتمثل في إعادة بناء مفهوم القوة ذاته. فالقوة في العالم المعاصر لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة العسكرية أو بالثروة الطبيعية، بل أصبحت مرتبطة أساسًا بالقدرة على إنتاج المعرفة وتنظيمها وتوظيفها في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا. ولذلك فإن الانتقال إلى اقتصاد المعرفة لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح شرطا بنيويا لأي مشروع للاستقلال أو التأثير في النظام الدولي.
التحول الثاني يتعلق بطبيعة النظام السياسي. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تبنى على مواطن مقهور أو مهمش. إن المجتمعات التي تخنق فيها حرية التفكير والنقد والتنظم، أو تقمع فيها المبادرة الفردية والجماعية، تجد نفسها عاجزة عن إنتاج النخب العلمية والاقتصادية القادرة على قيادة التحول التاريخي. ولذلك فإن الأنظمة السياسية التي تبقى أسيرة أنماط الحكم التقليدية، أو التي تقوم على احتكار القرار وإقصاء المجتمع، تساهم — ولو من دون قصد — في إضعاف قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية.
أما التحول الثالث فيرتبط بإعادة صياغة العلاقات بين دول الجنوب. ففي عالم يتجه ببطء نحو تعددية قطبية غير مكتملة، قد يصبح التعاون بين الدول النامية أحد السبل الممكنة لتقليص اختلال موازين القوة. إن التكتلات الاقتصادية والعلمية بين هذه الدول يمكن أن تفتح مجالات جديدة للتبادل المعرفي والتكنولوجي، وأن تخلق شبكات تعاون تسمح بتقاسم الموارد والخبرات خارج منظومات الهيمنة التقليدية.
غير أن هذه التحولات لن تتحقق ما لم يحدث تحول مواز في وعي النخب السياسية داخل هذه البلدان. فكثير من الأزمات التي عرفتها دول عديدة لم تكن نتيجة الضغوط الخارجية وحدها، بل كانت أيضًا نتيجة خيارات داخلية وضعت بقاء السلطة فوق مصلحة المجتمع. وعندما تتحول الدولة إلى أداة لحماية الحاكم بدل أن تكون إطارا لحماية المجتمع، فإنها تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية وأكثر قابلية للانهيار عند أول أزمة كبرى.
ضرورة تطوير مقاربة مختلفة للعلاقة مع الغرب
وفي هذا السياق تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي طبيعة العلاقة مع المجتمعات الغربية نفسها. فالنظر إلى الغرب باعتباره كتلة سياسية صلبة أو خصما حضاريا موحدا يختزل الواقع اختزالًا شديدًا. ذلك أن المجتمعات الغربية تضم بدورها قوى اجتماعية وفكرية ومدنية واسعة تعارض سياسات الهيمنة والحروب، وتنتقد تحول الدولة الحديثة إلى جهاز يخدم مصالح اقتصادية ضيقة.
ومن هنا يصبح من الضروري تطوير مقاربة مختلفة للعلاقة مع الغرب تقوم على تعزيز التواصل مع المجتمع المدني والقوى الفكرية والإنسانية داخل هذه المجتمعات. فالإنسان الغربي، شأنه شأن شعوب الجنوب، قد يكون هو أيضًا أحد ضحايا السياسات التي تُدار أحيانًا بمنطق القوة المجردة أو بمنطق الشركة التجارية التي تختزل العالم في حسابات الربح والخسارة.
إن بناء جسور مع هذه القوى المدنية والفكرية يتطلب في المقابل مراجعة الخطاب السياسي السائد في كثير من بلدان الجنوب. فبدل الارتهان لخطابات الهوية المغلقة التي تعيد إنتاج الاستقطاب الحضاري، يصبح من الضروري تطوير خطاب إنساني كوني يركز على القيم المشتركة: كرامة الإنسان، الحق في السلم، العدالة الاجتماعية، الحريات، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
مثل هذا الخطاب لا يهدف إلى تمييع الاختلافات الثقافية، بل إلى توسيع فضاء النضال ليصبح نضالا إنسانيا عابرا للحدود، قادرا على اختراق الأنظمة السياسية الجامدة وعلى بناء تضامن عالمي بين المجتمعات في مواجهة سياسات القوة والهيمنة. فالتحدي الحقيقي في عالم اليوم لم يعد بين حضارات متنازعة بقدر ما أصبح بين منطقين مختلفين لإدارة العالم: منطق يرى الدولة إطارا لخدمة الإنسان، ومنطق آخر يحولها إلى مؤسسة تُدار بمنطق السوق والشركة التجارية.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة فكرية وسياسية لافتة في أمريكا اللاتينية خلال العقود الأخيرة. فقد شهدت هذه المنطقة نهضة فكرية متصاعدة أعادت طرح سؤال الهيمنة من زاوية مختلفة، من خلال ما يُعرف بالاتجاهات الديكولونيالية.
هذه التيارات الفكرية لا تكتفي بنقد الاستعمار في معناه التاريخي الكلاسيكي، بل تتحدث عن استمرار الاستعمار في شكل معرفي وثقافي واقتصادي داخل بنية النظام العالمي. وهي ترى أن كثيرا من مفاهيم الحداثة والسياسة والاقتصاد التي تقدَّم بوصفها مفاهيم كونية ليست في الحقيقة سوى نتاج تاريخي لتجربة أوروبية محددة تم تعميمها على العالم.
تحرير المعرفة من المركزية الغربية
وقد دفع هذا الوعي الجديد عدداً من المفكرين في أمريكا اللاتينية إلى الدعوة إلى تحرير المعرفة نفسها من المركزية الغربية، وإلى إعادة الاعتبار لتجارب المجتمعات المحلية وأنماطها الخاصة في التفكير والتنظيم الاجتماعي. ولا يعني ذلك الانغلاق أو رفض الحداثة، بل إعادة صياغتها على أسس أكثر تعددية تسمح لمجتمعات الجنوب بأن تكون فاعلة في إنتاج المعرفة لا مجرد مستهلكة لها.
إن أهمية هذه النهضة الفكرية لا تكمن فقط في بعدها الأكاديمي، بل في كونها تفتح أفقا جديدا للتفكير في مستقبل السياسة في العالم النامي. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بتغيير موازين القوى العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بتغيير موقع هذه المجتمعات داخل الخريطة العالمية للمعرفة.
وعندما تتمكن المجتمعات من استعادة قدرتها على التفكير في نفسها وفي العالم خارج القوالب المفروضة عليها، فإنها تبدأ تدريجيًا في بناء سياسات أكثر استقلالا وأكثر قدرة على الفعل في التاريخ.
وهكذا، قد يكون الرهان الحقيقي للبلدان النامية في القرن الحادي والعشرين ليس فقط في مقاومة الهيمنة، بل في إنتاج معرفة جديدة بالعالم تسمح لها بالخروج من موقع التابع إلى موقع الفاعل.
عندها فقط يمكن للسياسة أن تستعيد معناها الأعمق: ليس مجرد إدارة لمفهومي القوة والهشاشة، بل مشروع تاريخي لصناعة المستقبل.
صحافي.



شارك رأيك