في قراءة له عن العوامل الطبيعية، متخذا صورة حديثة من شاطىء الحمامات الذي بعد ان تآكل من جراء الفياضانات. جزء منه يعود… كتب مهندس البيئة حمدي حشاد ما يلي:
“الشاطئ ليس مساحة ثابتة من الرمل كما يعتقد كثير من الناس، بل هو نظام طبيعي ديناميكي يعيش على توازن دقيق يسمى في الجيومورفولوجيا الساحلية التوازن الرسوبي (Bilan sédimentaire)، أي التوازن بين الرمال التي تصل إلى الشاطئ والرمال التي يغادره.
في السنوات الأخيرة شهدت عدة مقاطع من ساحل الحمامات تراجعاً واضحاً للشريط الرملي وصل الى حد الإختفاء و كثيرون ربطوا ذلك فقط بارتفاع مستوى البحر، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. ما يحدث هو نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية تعمل في نفس الوقت.
العامل الأول هو العواصف المتوسطية عندما تضرب العواصف الساحل، تقوم الأمواج القوية برفع كميات كبيرة من الرمال من الشاطئ ونقلها إلى مناطق أعمق في البحر و هذا يخلق انطباعاً بأن الشاطئ اختفى أو تراجع بسرعة لكن في الحقيقة جزء من هذه الرمال لا يضيع بالكامل، بل يبقى في النظام الساحلي. وعندما تعود فترات الهدوء، تبدأ الأمواج الأقل طاقة بإرجاع جزء من هذه الرواسب نحو الساحل، وهو ما يفسر لماذا نلاحظ أحياناً أن الشاطئ يستعيد جزءاً من مساحته بعد أشهر من التآكل.
العامل الثاني يتعلق بما يسمى الانجراف الساحلي للرواسب (longshore drift)، أي حركة الرمال على طول الساحل بفعل التيارات البحرية و في الحالة الطبيعية، تنتقل الرمال من منطقة إلى أخرى على امتداد الساحل بشكل مستمر، مما يسمح بتغذية الشواطئ بالرواسب الجديدة. لكن عندما يتم بناء منشآت صلبة على الساحل، مثل المرافئ الصغيرة أو الحواجز أو حتى بعض الهياكل السياحية، فإن هذه الحركة الطبيعية للرمال تتعطل. النتيجة أن الرمال تتراكم في مكان معين بينما يبدأ التآكل في أماكن أخرى مجاورة.
وهنا نصل إلى العامل الثالث، وهو الإسمنتة المتزايدة للساحل. ساحل الحمامات شهد خلال العقود الماضية توسعاً سياحياً كبيراً النزل والبنية التحتية السياحية اقتربت كثيراً من خط الشاطئ، وأحياناً تم تثبيت الساحل بحواجز أو منشآت صلبة لحماية هذه المنشآت و المشكلة أن السواحل الرملية لا تعمل جيداً مع الهياكل الصلبة ، عندما يتم تثبيت جزء من الساحل بالإسمنت أو الصخور، فإن الطاقة الطبيعية للأمواج تبحث عن مناطق أخرى لتفريغ نفسها، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الشريط الرملي المجاور.
ولا يمكن أيضاً تجاهل عامل رابع يعمل ببطء لكنه مستمر، وهو ارتفاع مستوى سطح البحر و في البحر المتوسط تشير القياسات الحديثة إلى ارتفاع يقارب 4 – 6 ملم سنوياً هذا الارتفاع يبدو صغيراً، لكنه مع مرور السنوات يسمح للأمواج بالوصول إلى مناطق أعلى من الشاطئ، مما يساهم تدريجياً في تسريع التآكل.
الصورة التي نراها اليوم في شاطئ الحمامات تعكس مرحلة من إعادة التوازن المؤقت في النظام الساحلي. الشاطئ استعاد جزءاً من رماله بعد فترة من التآكل، لكن هذا لا يعني أن المشكلة انتهت ، ما يحدث هو حركة مستمرة للرواسب بين البحر والشاطئ في نظام طبيعي حساس لأي تدخل بشري.
الدرس الأهم هنا هو أن حماية السواحل لا يمكن أن تعتمد فقط على الحلول الهندسية الصلبة و زيد التجارب في عدة مناطق من العالم أظهرت أن تثبيت الساحل بالإسمنت أو الحواجز الصخرية قد يحمي نقطة معينة لكنه غالباً ما يسرّع التآكل في مناطق أخرى ، لذلك أصبحت العديد من الدول تعتمد اليوم على مقاربات أكثر انسجاماً مع الطبيعة مثل إعادة تغذية الشواطئ بالرمال، وحماية النظم الساحلية الطبيعية، وإدارة السواحل بطريقة متكاملة.
ساحل الحمامات ليس فقط فضاء سياحياً، بل هو نظام بيئي وجيومورفولوجي معقد. فهم هذا النظام هو الخطوة الأولى قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بمستقبل الشريط الساحلي في تونس”.
*حمدي حشاد



شارك رأيك